المأمون وابنه القارئ

روت بعض كتب الأدب خبراً عن المأمون، الخليفة العباسي، ابن هارون الرشيد، يصور موقفاً حدث له مع أحد أبنائه، مفاده أنه نظر مرة إلى بعض ولده، وهو ينظر في كتاب، فقال: يا بني، ما كتابك هذا؟

قال: بعض ما يشحذ الفطنة، ويؤنس من الوحشة.

فقال المأمون: الحمد لله، الذي رزقني ولداً، يرى بعين عقله، أكثر مما يرى بعين وجهه.

إذا تأملنا الخبر، نجد فيه صدقاً في المعنى، وجمالاً في التعبير، من الوالد والولد معاً، فجواب الابن فيه حكمة بليغة وموجزة، تمثل فائدة الكتاب وأثره في نفس الإنسان، إذ قال:(يشحذ الفطنة، ويؤنس من الوحشة). إي وربي ذلك ما يفعله الكتاب في نفس الإنسان، ومصلحة شأنه، أوجزها إيجازاً ابن المأمون الفتى القارئ، في خمس كلمات، تعبر بصدق وحق عن أثر وفائدة الكتاب في حياة الناس.

أما قول المأمون الذي صدّره بحمده لله، العبارة التي لا تفارق ألسنة المؤمنين، على كل حال، ولا تزال ألسنتهم رطبة بها، فتنطوي على حكمة بالغة تستحق النظر والتأمل:(يرى بعين عقله، أكثر مما يرى بعين وجهه).

هذه الرؤية التي بعين العقل أكثر من رؤية العين، لا شك أنها رؤية الحكيم، الذي يستحضر عقله في كل شؤونه ولا يعتمد ولا ينطلق مما ترى عينه فقط، والحكماء في كل زمان ومكان هم من تشغلهم رؤية العقل وتكون له مرتكزاً في كل أعمالهم ولا تغرهم ولا تخدعهم مناظر العيون الكواذب، ولا تسوقهم كما تسوق الغريقَ موجُ البحر وتجرفه خلف المجهول.
ذلك الخبر أوحى إلي بهذا المعنى، وهو هل يشجع الوالدان أولادَهم على القراءة، ويضعون في أيديهم الكتب، أو حتى يهتموا بمسألة القراءة عند الأبناء؟

أترك الجواب للواقع، فهو المتكلم الصادق، الكفيل ببيان الحقيقة.
قد يقول قائل: لدى الأبناء الكتب المدرسية، وهم بالضرورة يقرأونها ويدرسونها، وهذا أمر مؤكد الحصول، وفيه الكفاية.
نقول: إن الكتب المدرسية المقررة لا تنمي مهارة القراءة، ولا تحببهم فيها، ولا تعزز قيمتها في حياة التلاميذ، ولا تشبع نهم المعرفة والاطلاع في أنفس الفتيان والفتيات، لأنهم يقرأونها كأداءِ واجب مفروض عليهم ولا بد منه، من أجل اجتياز الامتحانات بنجاح.

ثم إن هناك أوقات الفراغ والعطل، ماذا عنها؟!!

ألا ينبغي أن يكون صحاب الأبناء وصديقهم خلالها الكتاب، وليس بالطبع أيَّ كتاب، بل الكتاب النافع المفيد، والمناسب لأعمارهم، ومتطلبات النفوس والقلوب، بزمننا الحاضر.

لكن قد يكون في كلامي هذا شيء من الغرابة، أو ربما يبدو كلاماً بعيداً كلَّ البعد عن الواقع المؤسف، الذي فرض نفسه بما يحمل من متناقضات وعجائب، الواقع الذي بات الأبناءُ فيه مشدوهين لما بين أيديهم من جوالات، لا يدري الأبوان عنها، ولا هم يعلمون.


اكتشاف المزيد من عين الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى