هل تغيّرت لغة الحوار داخل المجتمع ؟

لم يتغيّر ما نقوله فقط، بل تغيّرت الطريقة التي نقوله بها. فالحوار داخل المجتمع لم يعد كما كان؛ لا في نبرته، ولا في مفرداته، ولا في مساحاته. وبين مجالس الأمس التي كانت تُدار بهدوء، ومنصات اليوم التي تُدار على إيقاع السرعة، تشكّلت لغة جديدة للحوار… لغة لا تخلو من الجرأة، لكنها كثيرًا ما تفتقر إلى التمهّل.
في الماضي، كان الحوار يُبنى على التدرّج، وتضبطه أعراف اجتماعية واضحة؛ احترام الرأي، والإصغاء قبل الرد، وتقدير السياق. لم يكن الاتفاق شرطًا، لكن الاختلاف كان يُدار بوعي. أمّا اليوم، فقد خرج الحوار من دوائره التقليدية إلى فضاءات مفتوحة لا تعترف بالمسافات، حيث تُقال الفكرة فورًا، ويأتي الرد فورًا، وغالبًا دون مراجعة أو تفكير.
أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في هذا التحول بوضوح؛ فمنحت الجميع مساحة للتعبير، لكنها في المقابل قلّصت مساحة الإصغاء. لم يعد الرأي يُناقش بقدر ما يُصنَّف، ولم تعد الفكرة تُفهم بقدر ما تُواجَه. وغالبًا ما يُقاس الحضور بعدد التفاعلات، لا بجودة الطرح أو عمقه.
كما أن تسارع الحياة اليومية انعكس على لغة الناس؛ فاختُصرت الجمل، وتصلّبت المواقف، وضاقت المساحات الرمادية التي تسمح بالفهم المتبادل. أصبح السؤال يُطرح أحيانًا بقصد الإدانة لا الاستفهام، وأصبح الاختلاف يُفسَّر بوصفه خصومة لا تنوّعًا.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا التغيّر من زاوية سلبية مطلقة. فقد أصبح المجتمع أكثر جرأة في طرح قضاياه، وأكثر انفتاحًا على النقاش العام، وأكثر وعيًا بحقه في التعبير. غير أن هذا المكسب ترافق مع تراجع بعض القيم المصاحبة للحوار، مثل التواضع الفكري، والصبر على الرأي الآخر، والقدرة على إدارة الاختلاف دون توتر.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في كثرة الأصوات، بل في إدارة هذا التعدد بوعي. فالحوار ليس سباقًا في الكلام، بل مسؤولية في الفهم. والمجتمع الذي يُحسن لغته الحوارية هو مجتمع قادر على حماية وحدته، واستثمار تنوّعه، وبناء وعيه الجمعي دون صدام.
لقد تغيّرت لغة الحوار داخل المجتمع…
لكن بيدنا أن نجعل هذا التغيّر نضجًا لا قطيعة، ووعيًا لا صخبًا، وجسرًا للفهم لا ساحةً للخلاف .
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



