حين تمضي ليالي الرحمة سريعًا

تقترب العشر الأواخر من شهر رمضان من نهايتها، وتمضي ليلةً بعد ليلة وكأنها لحظات عابرة تحمل في طياتها أعظم فرص القرب من الله. ومع كل ليلة تنقضي يشعر القلب بشيء من الحنين والألم؛ لأن هذه الليالي ليست كسائر أيام العام، بل هي موسم إيماني تتنزل فيه الرحمة، وتُغفر فيه الذنوب، وتُكتب فيه الأقدار.

لقد خصّ الله هذه الليالي بفضائل عظيمة، فجعل فيها ليلة القدر التي قال عنها في القرآن الكريم: ﴿ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر﴾، أي أن عبادة ليلة واحدة فيها تعادل عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة. ولذلك كان رسول الله ﷺ يجتهد فيها اجتهادًا عظيمًا، فقد روت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها أن النبي ﷺ «كان إذا دخلت العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله  وأيقظ أهله» كما ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم.

إن وداع هذه الليالي يوقظ في النفس معنى الزمن وقيمته؛ فالأيام تمضي سريعًا، والفرص قد لا تتكرر. كم من إنسان كان بيننا في رمضان الماضي ولم يدرك هذا العام، وكم من قلبٍ كان يخطط للطاعة لكنه لم يُمهل ليبلغها. لذلك كان السلف الصالح يستشعرون عظمة هذه الأيام، فيجتهدون في القيام والدعاء والصدقة وقراءة القرآن، إدراكًا منهم أن لحظة صدق مع الله قد تغيّر مسار حياة الإنسان كلها.

ولعل أجمل ما في هذه الليالي أنها تفتح باب الأمل لكل إنسان؛ فمن أثقلته الذنوب يجد فيها فرصة للتوبة، ومن أرهقته هموم الحياة يجد فيها سكينة الدعاء، ومن يبحث عن بداية جديدة يجد فيها طريق العودة إلى الله.

إن الرسالة التي تهمس بها العشر الأواخر قبل أن ترحل هي أن نستثمر ما بقي منها، فلا نودّعها بالانشغال والغفلة، بل نستقبل ما تبقى منها بالقيام والدعاء والاستغفار. فربّ ليلة صادقة تُكتب فيها مغفرة، وربّ دعاء في جوف الليل يفتح الله به أبواب الفرج.

وحين تنطوي هذه الليالي وتُطوى صفحاتها، يبقى السؤال الذي يطرحه كل قلب صادق: هل اغتنمناها كما ينبغي ؟ أم تركناها تمضي كغيرها من الأيام؟

فالعاقل من يجعل من وداعها بداية عهد جديد مع الطاعة، وذكرى تذكّره في كل عام بأن مواسم الخير تمر سريعًا، وأن أعظم الخسارة أن يدرك الإنسان تلك الفرص ثم يفرّط فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى