الحوار في زمن الضجيج

في زمنٍ تتسابق فيه الأصوات قبل الأفكار، لم يعد التحدي أن نمتلك رأيًا، بل أن نحسن عرضه. فالمساحات الرقمية اليوم مفتوحة على اتساعها، والمنابر في متناول الجميع، والكلمة لم تعد تحتاج أكثر من شاشةٍ مضيئة وأصابع سريعة. لكن هذا الاتساع في حرية التعبير لم يرافقه دائمًا اتساعٌ موازٍ في ثقافة الحوار.
نحن نعيش ــ شئنا أم أبينا ــ الحوار في زمن الضجيج.
زمنٍ تختلط فيه الحماسة بالحقيقة، والانفعال بالتحليل، ويغلب فيه ارتفاع الصوت على قوة الحجة. ومع كل قضية اجتماعية أو رياضية أو فكرية، تتشكل موجات من الاستقطاب الحاد، يتراجع فيها الإصغاء، ويتقدم فيها التصنيف.
المشكلة ليست في الاختلاف؛ فالاختلاف ثراءٌ حضاري وسنة إنسانية لا يمكن تجاوزها. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الرأي إلى موقفٍ مغلق، لا يقبل مراجعة ولا يسمح بمساحة رمادية. عندها يصبح الحوار ساحة إثبات لا مساحة فهم، ويتحول النقاش إلى معركة انتصار لا رحلة بحث عن الحقيقة.
الخوارزميات الرقمية لا تبحث عن الحكمة، بل عن التفاعل. والتفاعل غالبًا ما يُستثار بالمحتوى الأكثر إثارة وجدلاً. وهكذا يتصدر المشهد الصوت الأعلى، بينما يتراجع الصوت المتزن الذي يقدم قراءةً هادئة ومتأنية. ومع الوقت، تتشكل فقاعات رقمية يعيش فيها الفرد بين من يشبهونه في الرأي، فيظن أن ما يراه هو الحقيقة الكاملة، وأن المختلف خصم لا شريك في النقاش.
غير أن الضجيج لا يتوقف عند حدود الشاشة؛ بل يمتد أثره إلى النسيج الاجتماعي. فاللغة الحادة تترك أثرًا، والاتهام المتعجل يصنع فجوة، والسخرية المتكررة تُضعف جسور الثقة. وما كان ينبغي أن يكون تنوعًا صحيًا في الآراء، يتحول إلى حالة استقطاب تُرهق الوعي العام وتربك المشهد.
إن أزمة الحوار في زمن الضجيج ليست أزمة تقنية بقدر ما هي أزمة وعي ومسؤولية. تبدأ من الأسرة حين يتعلم الأبناء أدب الاختلاف، وتتعمق في المدرسة حين يُدرَّب الطلاب على النقاش لا على التلقين، وتكتمل حين يدرك الفرد أن الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون حقًا مكفولًا.
لسنا بحاجة إلى تقليص مساحات التعبير، بل إلى ترسيخ أخلاقياته. ولسنا في حاجة إلى إسكات الأصوات المختلفة، بل إلى تهذيب إيقاعها ضمن إطارٍ من الاحترام المتبادل. فحرية الرأي لا تعني حرية الإساءة، والاختلاف لا يبرر التجريح، والنقد لا يستقيم بلا موضوعية.
في زمن الضجيج، يصبح الهدوء شجاعة – ويصبح الإصغاء قوة – ويصبح احترام المختلف علامة نضج لا ضعف.
إن المجتمعات لا تُقاس بعدد الأصوات فيها، بل بقدرتها على إدارة اختلافها برشد. وحين يعود الحوار إلى اتزانه، تتحول المنصات من ساحات صراع إلى جسور فهم، ويصبح الرأي أداة بناء لا وسيلة انقسام.
فربما لا نستطيع أن نُسكت الضجيج كله،
لكننا نستطيع أن نختار ألا نكون جزءًا منه .


