رمضان .. حين يعود الشوق وتستيقظ الذاكرة

ليس رمضان شهرًا عابرًا في التقويم، بل حالة شعورية متجددة، تتسلل إلى القلوب قبل أن يعلن الهلال حضوره. ومع اقترابه يتغير الإيقاع الداخلي للإنسان؛ يلين القلب، وتتحرك الذاكرة، ويستيقظ الشوق الذي يسكن الأعماق منذ عامٍ مضى.
لرمضان رائحة خاصة… رائحة الطفولة، وأصوات الأمهات قبيل الأذان، وضحكات الإخوة، وحركة الجيران، وزينة الشوارع والمحال وصوت الباعة في الطرقات. نسترجع وجوهًا غابت، وأماكن تغيّرت، لكن رمضان بقي ثابتًا في القلب، يحمل لنا ذات الشعور بالسكينة والحنين.
إنه شهر لا يُعاش بالحواس فقط، بل بالروح. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فالصيام ليس مجرد امتناع، بل طريق إلى التقوى، وإعادة ترتيب العلاقة مع الله، ومع النفس، ومع الناس.
وفي الحديث الوارد في صحيح البخاري وصحيح مسلم: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه»،
وهو وعد عظيم يفتح أبواب الأمل لكل من أراد بداية جديدة.
رمضان قوة داخلية؛ تدريب عملي على ضبط النفس، وكبح الانفعال، وتأجيل الرغبات. هو شهر التواصل وصلة الأرحام، شهر التراويح وصوت القرآن الذي يلامس القلوب في هدوء الليل. فيه تتجدد الروابط الاجتماعية، ويشعر الإنسان بأنه جزء من مشهد جماعي مفعم بالإيمان والسكينة.
وقد كان السلف يستعدون له قبل قدومه، كما ذكر ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف، إذ كانوا يسألون الله أن يبلغهم رمضان، ثم يسألونه القبول بعده، إدراكًا لقيمته وأثره في بناء النفس.
واليوم… ها نحن في بداية رمضان. لم يعد الشوق انتظارًا، بل أصبح واقعًا نعيشه. إنها لحظة فتح صفحة جديدة، نحول فيها النيات إلى أعمال، والذكريات إلى أثر، والحنين إلى عبادة صادقة – اللهم كما بلغتنا بدايته، فأعنّا على حسن اغتنامه، واجعله بداية خير وتغيير، وبركة تمتد آثارها لما بعده.
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




