رمضان .. عودة الروح قبل امتلاء الموائد

يأتي رمضان كل عام، لا ليضيف إلى أعمارنا أيامًا جديدة، بل ليمنح أرواحنا فرصة جديدة. هو ليس شهرًا عابرًا في التقويم، بل محطة مراجعة كبرى، يقف فيها الإنسان أمام نفسه قبل أن يقف بين يدي ربه، متأملاً: ماذا تغيّر في داخلي؟ وماذا أصلحت في سلوكي؟ وماذا قدّمت لروحي؟
رمضان في الأمس كان أكثر بساطة… وأعمق أثرًا.
كانت البيوت أقل زخرفًا، لكن القلوب أكثر صفاءً. كانت الموائد محدودة، لكن الدعوات واسعة. لم يكن التنافس في تنوّع الأطباق، بل في ختمات القرآن، ولا في زينة المجالس، بل في زينة الأخلاق. كان الأطفال يتعلّمون معنى الصبر قبل معنى الإفطار، وكانت العائلات تجتمع حول روح واحدة، لا حول شاشة واحدة.
أما اليوم، فقد تغيّر الإيقاع وتسارعت الخطوات. كبرت الموائد، وضاقت الأوقات. تعددت الشاشات، وقلّت الخلوات. أصبح رمضان يُوثَّق بالصور أكثر مما يُعاش في القلوب. ومع ذلك، فإن جوهر الشهر لم يتغير؛ فهو كما كان موسمًا للرحمة، وميدانًا للتوبة، ومدرسةً للصبر، وفرصةً لإعادة ترتيب الأولويات.
رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناعًا عن كل ما يثقل القلب. هو تدريب يومي على ضبط النفس، وتذكير عميق بأن الإنسان قادر على قيادة شهواته لا الانقياد لها. فيه يتعلم المرء أن الجوع يوقظ الضمير، وأن العطاء لا يرتبط بكثرة المال، بل بسعة القلب، وأن الصدقة الخفية أبلغ أثرًا من الإعلان الصاخب.
إن أعظم فوائد رمضان أنه يعيد الإنسان إلى مركزه الحقيقي؛ عبدًا يتقرب إلى ربه، لا أسيرًا لعاداته. يذكّره بأن الوقت رأس ماله الحقيقي، وأن السكينة لا تُشترى، بل تُستجلب بالقرب من الله. فيه فرصة لإصلاح خصومة قديمة، ورد مظلمة، وصلة رحم انقطعت، وفتح صفحة جديدة مع القرآن، لا تلاوةً فقط، بل تدبرًا وسلوكًا.
كيف نستثمر رمضان حقًا؟
نستثمره بأن يكون لنا ورد يومي ثابت من القرآن، وبأن نخصص دقائق صادقة للمحاسبة، وبأن نحرص على صلاة الجماعة والتراويح بخشوع لا بعادة، وبأن نغرس في أبنائنا روح الشهر لا مظاهره. نستثمره حين نبحث عن العمل الذي لا يراه الناس لكن يراه الله، وحين نغادره وقد خفّت ذنوبنا وثقلت حسناتنا.
رمضان لا يتغير… نحن الذين نتغير.
فإما أن نجعله محطة عابرة، وإما أن نجعله نقطة تحول. إما أن نخرج منه كما دخلنا، وإما أن نخرج أقرب إلى الله، ألين قلبًا، وأصفى نية، وأصدق عزيمة.
إنها دعوة لأن يكون رمضان هذا العام عودة روح قبل أن يكون امتلاء موائد، وتوبة صادقة قبل أن يكون عادة متكررة. فالسعيد من أحسن اغتنامه، والرابح من جعل منه بداية جديدة لا نهاية موسم.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يدركون فضله، ويحسنون استثماره، ويودعونه وقلوبهم معلّقة بالقبول .
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


