عندما يدخل النور إلى القصر

بوصفه مثلًا شركسيًا، ورغم أن نسبته التراثية غير مؤكدة، إلا أن قيمته الفكرية عالية، لأنه يلامس جوهرًا إنسانيًا عميقًا يتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان، وبمصدر المعنى الحقيقي في الحياة.
يفكك هذا القول وهمًا شائعًا:
أن المكان هو من يمنح الإنسان قيمته، فالقصر في المخيال الجمعي، رمز للفخامة والهيبة والسلطة، بينما الحظيرة ترمز للفوضى والابتذال.
لكن المثل يقلب المعادلة، القيمة لا تسكن الجدران، بل تسكن الأرواح التي تعبرها، فإذا دخل شخص بلا وعي، بلا أخلاق، وبلا نور داخلي إلى قصر، فلن يرتقي هو، بل يهبط المكان إلى مستواه.
هنا يصبح (النور) رمزًا للوعي، والضمير، والرقي الأخلاقي، وليس مجرد شخص أو كيان – النور الحقيقي لا يتشكل من الخارج، ولا يستعير قيمته من الألقاب أو المظاهر، بل يخلق أثره أينما حلّ – لذلك لا يتحول النور إلى ملك بمجرد دخوله القصر، لأن الملوكية ليست موقعًا، بل حالة داخلية من الاتزان والسمو.
في سياق الحياة المعاصرة، يمكن إسقاط هذا المعنى على الوظائف، والمناصب، والمؤسسات، وحتى العلاقات.
كم من شخص جلس على كرسي عالٍ فصار عبئًا عليه وعلى من حوله..؟!
وكم من شخص عادي ظاهريًا صنع حوله هالة من الاحترام بسبب سلوكه وأخلاقه وحكمته..؟!
المثل يضع مسؤولية القيمة على الإنسان نفسه، أنت من تصنع هيبة المكان، وأنت من تمنحه معناه.
لا تنتظر أن يغيّرك الموقع، بل غيّر الموقع بحضورك.
فالأماكن صامتة، والناس هم من يمنحونها صوتها، وملامحها، وسمعتها.
في النهاية، الرسالة واضحة:
كن أنت القصر، لا ساكن القصر فقط. لأن النور حين يكون حقيقيًا، لا يبحث عن عرش، بل يصنع عرشه في داخله.
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



