عدتُ من التخدير ولم أعد أنا بعد ..

لم تكن لحظة الإفاقة بعد العملية الجراحية كما توقعتها – كنت أظن أن الوعي يعود بهدوء وأن الجسد يستيقظ تدريجيًا دون ارتباك، لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
فتحت عينيّ على عالمٍ مشوّش، أصوات متداخلة، ووجوه قريبة بشكل خانق، وإحساس غامض بالتهديد – في تلك اللحظة لم أكن أمتلك نفسي كما أعرفها.
غضبت فجأة، وانهالت كلمات قاسية على من حولي دون وعي أو قصد، وكأن فمي تحرّك قبل عقلي ، لم يكن ذلك تعبيرًا عن شخصيتي الحقيقية، ولا عن مشاعر دفينة، بل نتيجة حالة عصبية مؤقتة كنت أمرّ بها دون إدراك.
تُفسَّر هذه الحالة طبيًا بما يُعرف بـ الهذيان بعد التخدير ، وهي حالة قد تصيب بعض المرضى بعد التخدير العام، وتظهر في صورة ارتباك شديد، انفعال مفاجئ، فقدان السيطرة على السلوك، أو تصرفات لفظية غير معتادة.
في هذه المرحلة يكون الدماغ في حالة انتقالية غير مستقرة، إذ تستعيد المراكز الانفعالية نشاطها قبل اكتمال عودة مراكز التحكم والوعي والسلوك.
وهنا أجد من العدل والامتنان أن أتوقف قليلًا لأقول شكرًا.
شكرًا لكل من عذر، ولكل صدرٍ كان أرحب من اللحظة.
شكرًا للممرض الذي لم يرَ في كلماتي القاسية إلا عرضًا عابرًا، فطبطب على أحبتي بكلماته الهادئة، واحتواهم قبل أن يحتويني.
سمع الكثير من شتائمي، ولم يزد إلا رحمة واتزانًا، لأنه اعتاد ذلك، ويعرف أن ما يُقال في لحظة الإفاقة لا يُقاس بما يسكن القلوب حقًا.
ما أدركته لاحقًا أن ما حدث لم يكن خطأً أخلاقيًا، بل فجوة مؤقتة بين الجسد والوعي – كنت أستعيد الحياة، لكنني لم أكن قد استعدت نفسي بعد – وهذا ما يجعل الحكم على المريض في تلك اللحظة قاسيًا وغير منصف.
علّمتني التجربة أن الوعي ليس لحظة واحدة، بل مسارًا تدريجيًا، وأن الجسد قد يسبق العقل في العودة ، كما كشفت لي أهمية الرحمة، بالذات أولًا، وبالمرضى ثانيًا، وفهم أن بعض السلوكيات بعد العمليات الجراحية لا تكون مقصودة ولا تعبّر عن حقيقة الإنسان.
خرجت من هذه التجربة أكثر تواضعًا أمام هشاشة الجسد، وأكثر إيمانًا، بأن بعض الغضب لا يُحاسَب…!!
لأنه لم يُختر.
بقلم : DR: SHAYKHAH H.M
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


