حين يعلو الصوت ويغيب المعنى

لم يعد الإعلام اليوم مجرّد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي. غير أن المشهد الإعلامي المعاصر يشهد حالة من التوتر المتزايد، حيث يعلو الصوت وتتراجع المساحة المخصّصة للفهم، فيغدو الضجيج هو العنوان الأبرز لكثير من المنصات.

في سباق محموم نحو السبق والانتشار، تحوّلت السرعة من أداة مهنية إلى غاية بحد ذاتها، وتقدّمت العناوين المثيرة على حساب المضمون المتزن، وأصبح التفاعل الرقمي مقياسًا يتقدّم على التحقق والدقة. لم يعد السؤال الأساسي: ما الحقيقة ؟ بل: كيف نعرضها لتجذب الانتباه ؟ ولو كان ذلك على حساب الهدوء والمسؤولية.

هدوء الإعلام ليس ترفًا، بل ضرورة مهنية وأخلاقية. فهو ما يضمن الفصل بين الخبر والرأي، ويكفل احترام عقل المتلقي، ويحدّ من تحويل القضايا العامة إلى ساحات استقطاب وصراع. وعندما يفقد الإعلام هذا الهدوء، تتحوّل المنصات إلى مساحات للشدّ والجذب، وتُختزل القضايا المعقّدة في شعارات سريعة، تُغذّي الانفعال أكثر مما تخدم الفهم.

الأخطر من ذلك، أن يتحوّل الضجيج إلى حالة طبيعية، فيعتاد الجمهور على الصراخ، وتُقاس المصداقية بارتفاع الصوت لا بعمق الطرح. هنا لا يتضرر الإعلام وحده، بل يتأثر المجتمع بأكمله، إذ يُدفع المتلقي إلى ردود أفعال متسرّعة، بدل أن يكون شريكًا واعيًا في قراءة الحدث وتحليله.

ورغم هذا المشهد المزدحم، تبقى الفرصة قائمة لاستعادة الاتزان. فالحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى إعلام هادئ، يُنصت قبل أن يتكلم، ويتحقق قبل أن ينشر، ويضع الإنسان في قلب الخبر لا على هامشه. إعلام يدرك أن الهدوء قوة، وأن المسؤولية لا تقل أهمية عن السرعة.

إن استعادة هدوء الإعلام تعني استعادة الثقة، وصون الحقيقة، وحماية الوعي العام من الاستهلاك السريع. ففي زمن يعلو فيه الصوت كل يوم، يظل الإعلام الهادئ موقفًا مهنيًا شجاعًا، وخيارًا لا غنى عنه لصناعة وعيٍ متوازن ومستدام .


اكتشاف المزيد من عين الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى