من تعود على الرخيص لا يقدر الغالي

قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقاً يتكرر كثيراً في حياتنا اليومية – فليست القضية هنا قضية مال أو سعر فقط، بل قضية وعي بالقيمة.
الإنسان حين يعتاد على الأشياء السهلة أو الرديئة، تتشكل لديه معايير منخفضة دون أن يشعر.
يصبح المألوف لديه هو القاعدة، حتى لو كان أقل مما يستحق، ومع مرور الوقت يفقد القدرة على التمييز بين ما هو عادي وما هو استثنائي، لأن التجربة التي عاشها لم تعلمه الفرق.
نرى هذا الأمر في تفاصيل كثيرة حولنا، قد تجد شخصاً لا يقدّر الجهد الكبير الذي يبذله الآخرون من أجله، لأنه اعتاد أن يحصل على الأمور دون تعب.
وقد لا يلتفت البعض إلى قيمة إنسان صادق أو صديق مخلص، لأنهم تعودوا على علاقات عابرة وسطحية.
المشكلة ليست في قيمة الشيء نفسه، بل في الذائقة التي تشكلت لدى الإنسان.
والحقيقة أن التعود يصنع الإدراك، فمن نشأ في بيئة تقدر الجودة والاحترام والإتقان، يصبح أكثر حساسية تجاه القيمة الحقيقية للأشياء.
أما من اعتاد على الحد الأدنى، فقد يرى التميز أمراً مبالغاً فيه أو غير ضروري.
لكن الحياة كثيراً ما تعلم الإنسان الدرس بطريقة أخرى، فبعض القيم لا تُفهم إلا بعد فقدها – حينها فقط يدرك الإنسان أن ما كان بين يديه لم يكن أمراً عادياً، بل شيئاً نادرًا لم يعرف كيف يقدره في الوقت المناسب.
لذلك فالمثل لا يوجه نقداً بقدر ما يلفت الانتباه إلى حقيقة بسيطة : تقدير الأشياء الجميلة يحتاج إلى وعي وتجربة، فليس كل ما هو ثمين يُدرك فوراً، لكن من يدرب نفسه على رؤية القيمة الحقيقية في الناس والأشياء، لن يخطئ كثيراً في التمييز بين الرخيص والغالي.


