مع عودة البثوث .. يصبح العمل “ لايف” رسميًا

عادت البثوث إلى منصات التواصل، وعلى رأسها TikTok، يبدو أن بعض الوظائف قررت أخيرًا أن تواكب العصر، لم يعد الموظف مرتبطًا بمكتب أو مهمة، وإنما صار مرتبطًا بإضاءة جيدة وزاوية تصوير تُبرز “الجهد” بالشكل المناسب.
في السابق، كان يُقاس الأداء بإنجاز العمل، واليوم يكفي أن تكون “أونلاين” لتثبت أنك حاضر وهذا بحد ذاته إنجاز يُحترم.
تدخل بثًا مباشرًا، فتجد موظفًا يتحدث بثقة، يضحك، يعلّق، يطلب الدعم، ويشكر المتابعين، بينما معاملاته، بكل أدب تنتظر دورها خارج الكاميرا، وكأنها لا تريد إزعاج هذا الإنجاز الرقمي.
المشهد ليس سيئًا، فقط يحتاج إعادة تعريف:
هل هذا وقت عمل، أم موسم عرض؟
هل هذه مهام وظيفية، أم محتوى تفاعلي؟
في الجهات التعليمية تحديدًا، يصبح الأمر أكثر إلهامًا، الطالب يتعلم صباحًا معنى الانضباط، ثم يشاهد مساءً نموذجًا تطبيقيًا مختلفًا: أن الظهور مهارة، وأن الاستمرار فيه قد يغني عن أشياء أخرى، أقل أهمية، مثل العمل نفسه.
وهنا تتضح الرسالة الحقيقية: ليس ما يُقال داخل الفصول، وإنما ما يُبث خارجها، الأجمل بطريقة يصعب تجاهلها، أن بعض البثوث لا تكتفي بالحديث، وإنما ترتقي إلى مستوى “الطلب الفني المنظم”
فبين جملة وأخرى، يظهر صوت مألوف: يلا يا جماعة نبي أسد، وين الورود؟ شباب ترى الدعم يفرق..!
وكأننا أمام حملة دعم وطني عاجلة، لا بثًا عابرًا :
الأسد لم يعد في الغابة.. وإنما في التعليقات، والوردة لم تعد تُهدى.. بل تُحتسب نقاطًا.
وهنا يتعلم المشاهد درسًا جديدًا: أن القيمة يمكن أن تُختصر في رمز، وأن التقدير يمكن أن يتحول إلى طلب مباشر، بلطفٍ شديد.
ثم يظهر من يتحدث عن القيم، يحذّر من السطحية، ويدعو للوعي داخل نفس البث، وبنفس الحماس، وربما مع تذكير إضافي بأن: الدعم مستمر، وهنا يصل الدرس، لكن ليس بالطريقة التي خُطط لها.
لسنا ضد البث، ولا ضد المنصات، فكل أداة بريئة حتى تُستخدم، لكن يبدو أننا وصلنا لمرحلة يستحق فيها المشهد وقفة مختلفة، وربما ومن باب الحرص لا المبالغة نحتاج حلًا بسيطًا وواضحًا :
إما أن نعيد للبث معناه، أو نعيد للبث إجازته، ففكرة حجب هذه البثوث ولو مؤقتًا، قد لا تكون تشددًا كما يظن البعض، وإنما استراحة ضرورية.
لعل بعض المهام تتذكر أن لها أصحابًا، وبعض الوظائف تتذكر أن لها تعريفًا، وبعض الأسود تعود إلى مكانها الطبيعي.
في النهاية، يمكنك أن تكون حاضرًا طوال الوقت، لكن الحضور لا يساوي قيمة، وأحيانًا، أفضل دعم يمكن تقديمه، هو أن يتوقف البث قليلًا.


