رمضان في ذاكرة المظيلف

حين ينتصف شعبان لا يبقى في المظيلف شيء على حاله
الهواء ذاته يتبدل ..
البيوت تفتح نوافذها للشوق ..
والقلوب تمشي قبل الأقدام نحو ذلك السوق الذي كان إذا أقبل رمضان صار قلب المدينة النابض
عند قهوة بن محزومة يقف الرجال كأنهم مجلس شورى صغير
لا أوراق ولا أختام ..
كلمة تكفي ..
ونظرة تثبت الاتفاق ..
يتقاسمون الأركان كما لو أنهم يوزعون أدوار بطولة في ملحمة سنوية
هذا ركن اللحوم ..
وهنا الفواكه ..
وتلك المساحة للسمبوسة واللقيمات ..
وفي الشرق مكان الثلج والتمور وبسطات مشروبات التوت والبرتقال لعدد من الأخوة اليمنيين
كل شيء يعرف موضعه .
وكل رجل يعرف قدره .
بعد صلاة الظهر تبدأ الملامح في التشكل ..
فتبدأ القرى وسكانها الزحف على المظيلف حيث سوق المظيلف مركزها الرئيسي للتزود باحتياجاتهم
يختلطون مع أهالي المظيلف في الداخل في مشهد أخوي جميل
الخطوات تتلاحق .
والبسطات تنتشر كأنها على خريطة حياة ..
الروائح تختلط ..
والأصوات تتعالى ..
فتشعر أن المكان أصبح كأن قلب المدينة يفتح ذراعيه للجميع ..
الناس يتحلقون حول بدوي ..
صوته هادي ..
لكن حضوره يملأ المكان ..
وسكينه تلمع تحت ضوء الشمس ..
اللحوم تتدلى
والعيون تسبق الأيدي ..
رجل يساوم ..
آخر يتعجل ..
وثالث يخشى أن يعود بلا نصيب ..
تتوتر اللحظة ..
يرتفع الهمس ..
ثم يبتسم بدوي ويقول خذها وربي يوفقك
فتسقط نار الجدال وتبقى بركة الرضا
وعلى مقربة منه يقف بن فرج وزملاء مهنته ..
صفوف الفواكه كأنها عرس ألوان ..
البرتقال يتوهج ..
والعنب يلمع ..
والأطفال يشيرون بأصابع صغيرة لا تعرف الحساب ..
ورجل يمسك بكيسه ويفاوض ..
ورجل آخر يحلف أن هذه أطيب بضاعة دخلت السوق
ضحكات تتعالى ..
ومساومات تنتهي بعبارة الله يرزقنا ويرزقكم
ثم هناك ركن لا يمر به أحد إلا ويبطئ خطاه
هواري وسمبوسة جربوع وزملاء مهنته
الزيت يغلي ..
واللقيمات تدور في القدر كأنها أقمار صغيرة ..
الرائحة وحدها تكفي لتسحب العابرين
شاب يقف مترددا ..
يحسب ما بقي في جيبه ..
ثم يبتسم ويقول زد حبتين ..
فاليوم رمضان ..
أما عند قاضي ورفاقه فكان مشهد آخر
الأسماك مصطفة ..
فضية لامعة ..
كأن البحر جاء بنفسه ليستقر في السوق
رجل يضغط على السمكة ليتأكد من أنها طازجة ..
آخر يقسم أنه لن يفطر إلا على صيد اليوم ..
وصوت قاضي يعلو بثقة أهل البحر ..
خذ واطمئن هذه صيد الفجر ..
وقبل صلاة العصر تبدأ حركة البيع والشراء ..
ولكنها تصمت مع ارتفاع صوت الأذان ..
فتحمل الأزقة هدوءا مؤقتا ..
قبل أن تعود بعد الصلاة وتعلو أصوات الحراج ..
الطيب عندنا يا ولد …
الحق الثلج البلوري ..
عشرة بريال ..
الأصوات تتعالى كأن السوق يرفض أن يهدأ ..
الزمن هنا يركض ..
والقلوب تتسابق مع الخطوات ..
وفي زوايا المشهد تشتعل مواقف صغيرة ..
رجلان يختلفان على دور ..
تعلو الأصوات ..
تتوتر الوجوه ..
لحظة واحدة ويخشى العابر أن تتحول الكلمات إلى ما هو أشد ..
لكن شيخا يتدخل ..
أو صديق يضع يده على كتف صاحبه ..
فتنطفئ الشرارة ..
وتعود الضحكات ..
وكأن السوق يتعمد أن يختبر صبر أهله قبل أن يمنحهم سكينة المغرب …
ومع اقتراب أذان المغرب يحدث التحول …
كأن يدا خفية تضغط زر السكون ..
تتوقف النداءات ..
تطوى البسطات ..
يتبادل الباعة نظرات تعب ممزوجة بفخر ..
كل واحد منهم يعرف أنه لم يبع سلعة فقط ..
بل شارك في صناعة يوم من أيام الذاكرة ..
ثم ينفض السوق ..
وتعود الأزقة هادئة ..
لكن الأرض تحتفظ بالأصوات ..
والجدران تحفظ النداءات ..
والقلوب تحمل مشهدا لن يتكرر بذات النقاء ..
كان سوق رمضان في المظيلف أكثر من مكان ..
كان مدرسة رجولة ..
ومسرح مواقف ..
وحكاية مدينة تعرف كيف تختلف ثم تتصافح ..
وكيف تتعب ثم تبتسم
وكيف تجعل من بسطات بسيطة ملحمة لا يطويها الزمن ..
ذلك رمضان الذي إذا مر لا يمر ..
بل يبقى ..
صوتا في الذاكرة ..
ورائحة في القلب ..
ومشهدا كلما أقبل الشهر عاد حيا كأنه يحدث الآن ..
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


