قيادة الصورة .. أم قيادة الفكرة ؟

في زمنٍ تتقدّم فيه الصورة على الكلمة، والانطباع على التحليل، أصبح مشهد القيادة محاطًا بكاميراتٍ أكثر من إحاطته بأسئلةٍ عميقة. لم يعد التحدي كيف نظهر، بل ماذا نمثّل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نقود بالصورة أم نقود بالفكرة؟

الصورة عنصر مهم في أي عمل قيادي؛ فهي تعبّر، وتقرّب، وتمنح الحضور بعدًا إنسانيًا. لكن الصورة — مهما بلغت جودتها — لا يمكن أن تكون بديلاً عن الفكرة. قد تصنع الصورة انطباعًا سريعًا، لكنها لا تصنع مسارًا طويلًا. قد تكسب إعجاب اللحظة، لكنها لا تضمن احترام الزمن.

قيادة الصورة تركّز على المشهد: ترتيب الكلمات، تنسيق الظهور، صناعة التأثير اللحظي. أما قيادة الفكرة فتركّز على المعنى: وضوح الرؤية، عمق القناعة، واستدامة الأثر. الأولى تُتقن إدارة الانطباع، والثانية تُتقن إدارة الواقع.

المؤسسات التي تُدار بالصورة قد تنجح في تسويق إنجازاتها، لكنها إن لم تُدعَم بفكرة واضحة واستراتيجية متماسكة، فإنها تظل عرضة للاهتزاز عند أول اختبار. أما المؤسسات التي تنطلق من فكرة راسخة، فإن صورتها تتكوّن طبيعيًا، دون افتعال، لأن الأثر الحقيقي هو أفضل أدوات العرض.

القيادة ليست مشهدًا يُلتقط، بل مسؤولية تُمارس. وليست خطابًا يُلقى، بل قرارًا يُنفذ. الفكرة هي التي تحدد الاتجاه، وتمنح القرار مشروعيته، وتربط الإنجاز بهدفه. وحين تغيب الفكرة، تتحول الصورة إلى غاية في ذاتها، ويصبح التركيز على الشكل أكثر من الجوهر.

لسنا في حاجة إلى إلغاء الصورة، بل إلى ضبط موقعها. فالصورة حين تخدم الفكرة تكون قيمة مضافة، وحين تحلّ محلها تصبح عبئًا على المصداقية. القيادة الحقيقية تبدأ من الداخل؛ من وضوح القناعة، ومن اتساق القول مع الفعل، ومن انسجام الرؤية مع الواقع.

في نهاية المطاف، قد تبقى الصورة ذكرى في أرشيف، لكن الفكرة — إن كانت صادقة وعميقة — تبقى أثرًا في الوعي ومسارًا في المستقبل. ومن أراد أن يقود بوعي، فليجعل الفكرة أصلًا، والصورة شاهدًا… لا بديلاً .


اكتشاف المزيد من عين الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى