وادي الدواسر : دخلته خائفاً مترقباً وخرجت منه راضياً متثاقلاً

في عام 1415هـ صدر قرار تعييني معلّمًا في وادي الدواسر، وجاء الخبر صادمًا ومربكًا؛ إذ لم يمضِ على تخرّجي سوى أسبوع واحد تقريبًا.

كنت أُمنّي النفس بإجازة طويلة أستعيد فيها أنفاسي بعد عام شاق درست فيه ثلاثة فصول متتالية لاستكمال متطلبات التخرّج في كلية المعلمين، حتى بلغ الجهد منتهاه، ولم تحن ساعة الراحة بعد.

لم تكن معرفتي بوادي الدواسر تتجاوز ما حُفِظ في الذاكرة من دروس الجغرافيا المدرسية، أو ما سمعته عرضًا من زملاء الكشافة من أبناء الوادي خلال مواسم الحج بمكة المكرمة.

غير أن ضيق الوقت، واشتراط المباشرة خلال أسبوع واحد فقط، جعلا القرار أكثر استعجالًا، والطريق أكثر غموضًا.

توجّهت إلى قرية صبيا بلومة بمركز المظيلف للقاء زميلي المعيّن معي إلى الوادي، فوجدته – ويا للمصادفة – يبحث عني في اللحظة ذاتها.

جلسنا أمام خريطة المملكة ، نبحث عن أقصر الطرق، واعتقدنا – خطأً – أن المرور عبر الباحة ثم بيشة ثم تثليث هو الخيار الأنسب.

لكن المفاجأة كانت عند وصولنا إلى بيشة؛ إذ تبيّن أن طريق تثليث غير معبّد آنذاك، موحش المسالك، محفوف بالمخاطر  حتى قيل لنا: الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود. طريق تحيط به الأساطير، وتتناقل عنه الحكايات؛ عزيف جان، وغول  وأشباح تُرى في وضح النهار. فنُصحنا بالاتجاه جنوبًا نحو عسير، ومنها إلى الوادي.

وحين اقتربنا من عسير أدركنا حجم الخطأ؛ فقد قطعنا قرابة سبعمائة كيلومتر ويتطلب الوصول إلى الوادي ثلاثمائة كيلومترا جديده بينما كان بإمكاننا اختصار المسافة إلى سبعمائة كيلومتر فقط لو سلكنا الطريق المباشر من ديارنا عبر محايل عسير وخميس مشيط.

أدركنا الخطأ، لكننا قلنا: هي تجربة، ولن يكون فيها مكروه بإذن الله.

وصلنا وادي الدواسر قبيل صلاة المغرب، وتوجهنا إلى الخماسين، القلب التجاري للوادي، حيث دلّنا أحد الأهالي على فندق مناسب أقمنا فيه. كانت ليلتنا الأولى قاسية؛ برد شديد ودرجات حرارة منخفضة، لكنها كانت بداية الحكاية.

مع تباشير الصباح، وبعد صلاة الفجر، توجهنا إلى إدارة التعليم. انتظر المعلمون صدور خطابات التوجيه، وواحدًا تلو الآخر صدرت توجيهاتهم… إلا أنا ورفيقي دربي عثمان . تسللت الحيرة إلى نفوسنا، حتى اقترب منا رجل بوجه بشوش وقلب دافئ، احتضننا وسأل عن ديارنا وأهلنا.

عرّف بنفسه قائلًا إنه ابن أخ محمد بن عبدالعزيز بن ماضي، أحد رجالات الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وأمير القنفذة السابق. جلس يحدثنا عن طفولته في القنفذة، وعن أحداث شهدها عهد عمّه، ومنها قصة الاعتداء على المواطن المعروف بأبي شرين، ونقله جوًا للعلاج، وحادثة اصطدام جناح الطائرة بطاحونة القنفذة القديمة. حكايات بدت وكأن التاريخ فيها لا يُروى… بل يُعاش.

أدخلنا مكتبه، وأكرمنا، وعرض استضافتنا في منزله، غير أننا آثرنا التوجّه مباشرة إلى مدارسنا حرصًا على كسب تاريخ المباشرة. أخرج خطابات التوجيه من درج مكتبه، وأخبرنا أنه اختار لنا بنفسه مدرسة الشرافا، ووعدنا بالمساندة في كل ما قد نواجهه من صعوبات.

وصلنا المدرسة، وكان الهدوء يلف أرجاءها. دخلنا غرفة المدير، فظنّنا – لصغر سنّنا – طالبين متغيبين عن الدراسة من المدرسة الثانوية المجاورة ، وأمرنا بالعودة إلى مدرستنا. وبعد إلحاح وافق على الاستماع، وما إن علم أننا معلمون موجّهون للمدرسة حتى تغيّر وجهه، واحتضننا معتذرًا، ثم نادى المعلمين مرحّبين، وكلٌّ يردد العبارة نفسها: أنتم ضيوفنا اليوم.

اتفقنا على عشاء جماعي، لكن المفاجأة كانت أكبر؛ إذ أصرّ كل معلم على استضافتنا في منزله، وكلٌّ يقول: قولوا تم. فتنقّلنا بين البيوت، نُرضي القلوب قبل أن نُرهق الأجساد.
أدركنا أن الكرم هنا ليس فعلاً طارئًا، بل خُلُقًا راسخًا.

عرفنا رجولة غلفيص بن سعد، وحكمة الوكيل سعد، وكرم فهد الغانم، وطيبة راجس ومنير، ونبل علي بن عبدالله، وأصالة جمعان وعبدالله فالح، وبساطة قبلان ومحمد خلف، ووفاء فهد بن بقية، والمرشد سعد… وليعذرني من خانتني الذاكرة عن ذكر اسمه.

أسماء لم تُحفَظ لأنها ذُكرت، بل لأنها تُرجمت أفعالًا.

عرفنا الوادي كما لا تعرّفه الكتب؛ في رائحة البخور الدوسري، وفي عفوية أهل الخماسين، وصدق أهل اللدام، وبراءة أهل الشرافا، وفي دوائر مزارع البرسيم، وأصوات مضخات القمح والنخيل، وطريق بن علوش، وضحكات الزملاء في السكن : إسماعيل الحيمي، وثواب الأكلبي، وعطية الحارثي، ومحمد الشمراني، وعلي الحربي، وأحمد العيد، وسعيد القحطاني  وأحمد الحضيف، وياسر الفرج… ضحكات ما زالت ترن في الذاكرة حتى اليوم.

دخلنا وادي الدواسر معلمين، وخرجنا منه تلاميذ في مدرسة الرجولة.

قرأنا عن الكرم، وسمعنا بحاتم الطائي، لكننا هنا رأيناه حيًا، يمشي على قدمين، ويصافحك قبل أن يسألك عن اسمك.

دخلته خائفًا مترقبًا، وأكملت العام، ثم نُقلت إلى محافظة أخرى. خرجت من وادي الدواسر حزينًا، ألوم نفسي على قرار طلب النقل، وأتمنى لو أن الزمن عاد بي لأؤجله… فبعض الأماكن لا نغادرها حقًا، حتى وإن غادرناها واقعًا.
وما زلت، كلما مرّ اسم وادي الدواسر في الذاكرة،
ابتسم واتذكر كل تفاصيل تجربتي هناك ..


اكتشاف المزيد من عين الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى