الذوق العام .. ليس خيارًا

في ظل تسارع التنمية والانفتاح، يظل الذوق العام معيارًا حقيقيًا لوعي المجتمع، ومرآةً تعكس مدى نضجه الحضاري فلم يعد بعض ما نشاهده في بعض الأسواق والحدائق والمرافق العامة مجرد تصرفات فردية عابرة يمكن تجاوزها بالصمت، بل قد يصبح مشهدًا متكررًا يفرض سؤالًا مباشرًا: إلى أين تمضي بنا هذه التجاوزات؟ وهل نعي خطورتها قبل أن تتحول إلى ثقافة اعتياد؟

فهناك بعض ملابس لا تراعي خصوصية المجتمع، ألفاظ مرتفعة تخترق سكينة المكان، سلوكيات مستفزة أمام الأسر والأطفال، وعبث بالمرافق العامة وكأنها بلا قيمة أو صاحب. هذه ليست حرية شخصية، بل تعدٍّ صريح على الفضاء المشترك الذي يفترض أن يكون آمنًا ومطمئنًا للجميع.

لقد أقرت الدولة حفظها الله – ممثلة في وزارة الداخلية السعودية – لائحة المحافظة على الذوق العام، وحددت المخالفات والعقوبات بوضوح. لم يكن ذلك تضييقًا، بل حمايةً لهوية المجتمع، وصونًا لحق الأسرة والطفل في بيئة لائقة تحترم القيم ولا تبتذلها.

الحرية قيمة عظيمة، لكنها لا تُمارس على حساب الآخرين. والانفتاح لا يعني الانسلاخ. والتطور لا يعني التخلي عن الضوابط. والأخطر من المخالفة نفسها… هو اعتيادها.

حين يشاهد الطفل سلوكًا خاطئًا يتكرر أمامه، فإنه لا يراه تجاوزًا، بل نموذجًا. وحين نصمت، فإننا نُطبّع الخطأ دون أن نشعر.

المؤلم أن بعض الممارسات تُمارَس بثقة، وكأن المجتمع فقد حساسيته تجاه الخطأ. ومع تكرار المشهد، يتحول الاستنكار إلى همس، ثم إلى صمت، ثم إلى اعتياد. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح تجاوز الذوق العام أمرًا مألوفًا لا يُستنكر.

إن الدولة وفقها الله تبني مدنًا عالمية، وتفتح آفاقًا واسعة للتنمية، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن التقدم لا ينفصل عن القيم. فالحضارة ليست مباني شاهقة فقط، بل سلوك راقٍ يعكس وعي المجتمع، ويحمي صورته أمام نفسه قبل الآخرين.

الذوق العام ليس بندًا نظاميًا يُخشى من غرامته، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. حين نحترم المظهر، فنحن نحترم المجتمع. حين نخفض أصواتنا، فنحن نحترم الأسر من حولنا. حين نصون المرافق، فنحن نحترم وطنًا ننتمي إليه.

من يتعمد كسر ضوابط الذوق العام لا يمارس حرية، بل يسيء لصورة مجتمع بأكمله، ويضعف مناعة القيم التي تحفظ تماسكه.

فصورة الوطن لا تُبنى في المؤتمرات وحدها، بل في تفاصيل سلوك أفراده في الأسواق والطرقات والمتنزهات. والمدنية لا تُقاس بما نُشيّد… بل بما نُجسّد من احترام.

إن الالتزام بضوابط الذوق العام ضرورة حضارية، وأمانة وطنية، ووعي جمعي يجب أن يتجدد كل يوم.

فالمدنية ليست ما نعلنه من شعارات…
بل ما نلتزم به من سلوك ..


اكتشاف المزيد من عين الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى