القوز اليماني سيرة تل يحرس الذاكرة

على تل يرتفع قليلا عن الأرض المحيطة به جنوب سوق المظيلف قامت حارتنا القوز اليماني تشرف على السوق كما يشرف الشاهد على الزمن تمدد السوق في السفح حتى غلب اسمه على المكان فصار الناس يقولون عند السوق وكاد اسم الحارة يتوارى غير ان القوز اليماني بقيت روحا تسكن البيوت والقلوب لا يطويها ظل ولا يبددها نسيان
كانت بيوتنا من القش جميلة ببساطتها لها احواش بلا أبواب كأنها تقول للرايح والجار والضيف تفضلوا الليل فيها حالك عميق السواد تتراءى لنا فيه الاشباح أحيانا على هيئة ظلال راقصة – ونسمع حكايات الجن تتردد في المجالس وربما خيل الينا اننا نسمع همساتهم بين سعف الجدران .
حولنا تسكن اغنامنا وتتعالى أصوات حيوانات الأخرى ( الحمير – الكلاب ) لكنها لم تكن ضجيجا مزعجا بل كانت جزءا من سيمفونية ريفية عذبة تؤنس الوحشة وتؤكد ان الحياة تدب في كل زاوية .
رجال الحارة يخرجون مع الفجر الى السوق يفتحون الدكاكين وتتصاعد روائح البن والهيل ثم يعودون عند الغروب بأخبار النهار كان السوق رئة النهار وكانت الحارة قلب الليل .
بيوتنا مفتوحة وازقتنا تحفظ اسماءنا والصغار يعبرون من بيت الى بيت كأن الحارة دار واحدة نتقاسم اللقمة بلا حساب ونضحك بلا سؤال
في ساحة الحارة نصنع مجدنا الصغير حجارتان مرمى وخط مرسوم على التراب وفريقان لا يتبدلان في العصر نخلع اسماءنا ونرتدي أسماء النجوم نقلد عيسى حمدان ونحاكي هاشم سرور ونركض كما يركض يوسف خميس وماجد عبد الله ونذكر بوكير وريفالينو ومبروك التركي كأنهم يراقبوننا من اطراف السماء وكان التراب اذا التصق بأقدامنا وساما وكانت الهزيمة درسا والانتصار عيدا مبكرا .
وحين يهبط الليل تتحول الساحة الى حلقة سمر تدور لعبة العظم او الساري سرى وتتعالى الضحكات وتأخذنا مشاهد الفن لافق اخر فنقلد هيبة عادل ادهم وخفة دم عادل امام ويونس شلبي وسعيد صالح ونؤدي مشاهد تحاكي أدوار يوسف شعبان وعمر الحريري وأحمد زكي في المسلسلات – ولا يكتمل المشهد الا حين نتقمص الشخصيات الطربية ونسمع الأدوار بصوت حيدر فكري ومحمد علي سندي ومحمد عبده وطلال مداح ، فنرفع طبقات الصوت ونخفضها ونعيش اللحظة كأننا على خشبة مسرح حقيقي فتصير الضحكة مسرحنا والدهشة جمهورنا .
وفي الحارة رجال تمشي هيبتهم بين الازقة كنا نخشى زعل لافي ونتحاشى المرور امام مجلس بدوي وغندور فتنخفض الأصوات ويستقيم المشي واذا لمحنا معلمنا علي بن خميس من بعيد – اعتدلت ظهورنا قبل ان ينطق لم يكن مجرد معلم بل قيمة تسير على قدمين ونظرة تزن افعالنا بميزان لا يخطئ ، نختبئ أحيانا بدافع الطفولة لكن في داخلنا يقين بان للحارة أعمدة تحفظها .
وفي المغرب عند مرور برقيط بجوار ملعبنا عائدا من السوق نلتف حوله او ننصت من بعيد كانت سوالفه تسبق خطاه تحمل اطراف الفكاهة واخبار الناس – ونلتقط اطراف احاديث بن مضحية وخلف ومسفر والقارش وسالم فنضحك حينا ونتعلم حينا واذاننا الصغيرة تحفظ ما يتسرب من حكم وتجارب .
وحين ادخل صمعي التلفاز الى حارتنا تبدل وجه المساء لم يعد الليل ظلاما خالصا ، بل صار ضوءا مرتعشا يتجمع حوله الناس انتقلت ساحة السمر الى حوش منزله وغدا الحوش صالة عرض مفتوحة – تحت السماء اصطف الصغار في الامام واتكأ الكبار على جدران القش وتعلقت العيون بذلك الصندوق الذي يفتح نوافذ بعيدة – تابعنا الضيوف المزعجون وطرنا مع الفتى الطائر وغمرنا الضباب مع عماد عبدالحليم وابحرنا مع السندباد ، من تلنا الصغير الى عوالم لا تحدها حدود .
لقد احدث صمعي ضجة بيضاء دهشة اكتشاف اول ومنذ تلك الليلة اتسعت الحارة قليلا لكن دفئها بقي كما هو ، ومع قدوم رمضان تتغير الايقاعات نبدأ ليلتنا في المركز الصيفي بمدرستنا ثم ننحدر الى دكاكين الحارة عند الشاووش او زين وبن هاجري بكري أو المتحمي والعسيري وبن عماري او مقهى باحداد ، تمتد الجلسات وتتلألأ الازقة ويطول الليل كأنه لا يريد ان ينقضي
اما اعيادنا فتبدأ من مصلى العيد نخرج بقلوب بيضاء ونتذوق عصيد الجدة جرده ، ومكرونة بن نامسة ونجوب الحارة والابواب مفتوحة كأن الفرح نفسه يطرقها بيتا بيتا .
كانت حياتنا بسيطة لكنها عظيمة الأثر تل صغير في الجغرافيا واسعة في الذاكرة ، وان غاب اسم القوز اليماني تحت ظل السوق فانه في قلوبنا باق يحرس طفولتنا ويهمس كلما مررنا جنوب سوق المظيلف ، انه هنا كانت البداية وهنا ما زال الضوء يشع بالذكريات .



