كيف نصنع وعيًا في زمن التشتّت ؟

نعيش زمنًا لا يفتقر إلى المعلومة، بل يفيض بها حتى التيه. تتزاحم الأصوات، وتتقاطع الروايات، ويضيع السؤال بين إشعارٍ عاجلٍ وترندٍ عابر. لم يعد التحدّي في الوصول إلى المعرفة، بل في امتلاك بوصلة داخلية تمنحنا القدرة على التمييز: ماذا نسمع؟ وماذا نترك يمرّ دون أن نسكنه في وعينا؟
الوعي لا يولد من كثرة الاطلاع، بل من حسن الاختيار. هو صبرٌ طويل على السؤال، وتمهّلٌ في زمنٍ يركض. أن تقرأ ببطء في عالمٍ يستعجل النتائج، وأن تفكّر بعمق في زمنٍ يكتفي بالعناوين. فالسطح مزدحم دائمًا، أمّا العمق… فهادئ، ينتظر من يطرق بصدق.
نصنع الوعي حين نعيد الاعتبار للشكّ النبيل؛ لا ذاك الذي يهدم، بل الذي يتحقّق. حين لا نسلّم عقولنا لأول رأي، ولا نؤجّر قناعاتنا لمن يرفع صوته أعلى. فالحقيقة لا تُقاس بعدد المشاركات، بل بقدرتها على الصمود أمام العقل والضمير معًا.
في زمن التشتّت، يصبح الصمت أحيانًا أصدق أشكال الفهم. نصمت لنسمع أنفسنا، لنفرّق بين ما نريده حقًا، وما تعلّمنا أن نريده. فالعقل المرهق لا يُنتج وعيًا، والقلب المشحون لا يرى بوضوح. نحتاج مساحاتٍ من السكون لنرتّب الداخل، قبل أن نحاكم الخارج.
الوعي فعلٌ أخلاقي قبل أن يكون موقفًا فكريًا. أن نختلف دون أن نقصي، وأن نناقش دون أن نهين، وأن نرفض الفكرة دون أن نكسر صاحبها. في هذا الاتّزان، تنضج الفكرة، ويكبر الإنسان، وتستقيم الطريق.
وحين نسأل: كيف نصنع وعيًا في زمن التشتّت؟
فالجواب يبدأ من قرارٍ شجاع وبسيط:
أن نكون أهدأ من الضجيج، أعمق من السطح، وأصدق مع أنفسنا…
ففي عالمٍ تاهت فيه الاتجاهات، لا يصنع الوعي من يكثر النظر، بل من يحسن النظر إلى الداخل أولًا
اكتشاف المزيد من عين الإخبارية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



