لفتتني دراسة لجامعة كورنيل تناولت ظاهرة أطلقت عليها (دوامة الهراء الإداري)، وشملت أكثر من ألف موظف إداري، كاشفةً عن اتساع الفجوة بين كثرة الحديث وحقيقة الإنجاز داخل المؤسسات.
لا تعاني كثير من المؤسسات من نقص الخطط أو الكفاءات، بقدر ما تعاني من الخلط بين الحديث عن الإنجاز والإنجاز نفسه، ففي بعض بيئات العمل تبدو الصورة مثالية: اجتماعات متواصلة، وتقارير دورية، وعروض متقنة، ومصطلحات مهنية تتكرر بثقة، بينما يبقى السؤال الأهم: ما الذي تغيّر فعلًا ؟
تكمن المشكلة عندما يصبح الكلام معيارًا للحضور والتأثير، ويُكافأ من يجيد الوصف أكثر ممن يصنع النتائج، عندها تتحول الاجتماعات إلى غايات، والتقارير إلى مؤشرات شكلية على نشاط قد لا ينعكس أثره في الواقع.
وقد تنخدع المؤسسات أحيانًا بحركة داخلية صاخبة توحي بالتقدم، بينما يظل الإنجاز الحقيقي محدودًا، والأسوأ أن هذه الثقافة تُضعف أصحاب الكفاءة، فتتسع الفجوة بين من يصنع القيمة ومن يكتفي بتسويقها.
أما المؤسسات الناجحة، فتقيس نجاحها بالأثر والنتائج لا بعدد الاجتماعات أو حجم التقارير، وفي النهاية، لا تتعثر المؤسسات بسبب كثرة الحديث، وإنما عندما تسمح للكلام بأن يحل محل العمل، فتبقى النتائج وحدها المعيار الحقيقي للقيمة والنجاح.


