في زمنٍ كثرت فيه المظاهر وقلّت فيه الحقائق وتزاحمت الأقنعة على الوجوه أصبح بعض الناس يحرصون على رسم صورة لأنفسهم تختلف كثيرًا عن واقعهم ظنًا منهم أن المظاهر تصنع المكانة وأن الادعاء يمنحهم ما لم تمنحه لهم أفعالهم. فيسعون إلى الظهور بمظهر القوة والحكمة والمعرفة وكأنهم أصحاب الرأي الذي لا يخطئ والحقيقة التي لا تقبل النقاش. ومع مرور الوقت يتحول هذا السلوك إلى نوع من التعالي والغرور الذي يفسد العلاقات ويُضعف الروابط الاجتماعية والأسرية.
ومن المؤلم أن يظهر هذا السلوك أحيانًا بين أفراد الأسرة الواحدة حيث ينسى البعض أن الاحترام يُبنى على التقدير المتبادل وحسن الخلق لا على فرض الرأي أو التقليل من شأن الآخرين. فالتعالي لا يرفع قدر صاحبه بل يكشف ما فيه من نقص ويجعل الناس تنفر منه مهما حاول أن يُحسن صورته بالكلام المنمق أو العبارات المعسولة. ولهذا يختار بعض أفراد الأسرة الابتعاد عن هذه المهاترات والاكتفاء بالعزلة المؤقتة حفاظًا على راحة الوالدين وصونًا للمودة من مزيدٍ من التوتر والخلاف.
إن الاحترام الحقيقي لا يُشترى بالتملق ولا يُفرض بالاستعراض ولا يُكتسب بإظهار التفوق على الآخرين بل هو ثمرة التواضع والصدق والأخلاق الكريمة – فالإنسان يُعرف بمواقفه وأفعاله، لا بما يدّعيه عن نفسه وتبقى الأخلاق هي الميزان الحقيقي الذي يزن به الناس بعضهم بعضًا.
ولعل أجمل ما في الحياة أن الزمن لا يجامل أحدًا فالأيام كفيلة بكشف الحقائق وإظهار المعادن على حقيقتها – قد تنطلي الأقنعة على الناس فترةً من الزمن لكنها لا تدوم إلى الأبد ومع المواقف والاختبارات تتكشف النفوس ويظهر الصادق من المتصنع والمتواضع من المتكبر وصاحب الخلق من صاحب الادعاء.
ختامًا
قد تخدع المظاهر الأبصار وقد تنطلي الأقنعة على الناس زمنًا لكن الحقيقة لا تغيب إلى الأبد. فالأيام كفيلة بأن تكشف النفوس على حقيقتها وتُظهر معادن الرجال في المواقف والشدائد. ويبقى الإنسان بأخلاقه وتواضعه واحترامه للآخرين لا بما يدّعيه أو يتظاهر به. فالتاريخ لا يحفظ الأقنعة بل يحفظ المواقف والأيام شاهدة لا تُجامل أحدًا.


عطية الحربي