كان الجميع يعرفها امرأةً لا تهتز في البيت، كانت اليد التي تمتد قبل أن تُطلب، والصوت الذي يهدّئ الخائفين، والكتف الذي يتكئ عليه المتعبون ، إذا ضاقت الدنيا بأحد، فتحت له قلبها قبل أن يفتح فمه، وإذا سألوها عما تخفيه خلف ابتسامتها، كانت تردّد كلمتها الجاهزة بلا تردد: (أنا بخير… كل شيء تمام) ..
كانت تقول تلك الكلمة بينما في داخلها أشياء كثيرة لم تكن تمامًا ، لم تكن تريد أن تخبرهم أن تعب الأيام أخذ من روحها شيئاً، كانت تدرك أن البيت يحتاج إلى من يطمئنهم، لا إلى من يخيفهم بثقله. ولهذا، ظلّت لسنوات تسند نفسها بنفسها، وتخفي شظاياها في مكان لا يراه أحد.
مرت السنوات، وكبر الأبناء، واختلفت مسؤولياتهم.
وفي ليلةٍ تشبه عتمة الأسئلة، وبينما كان رذاذ الذكريات يداعب صمت المكان، اقبل احد ابنائها وقد بدا عليه مايعانيه من مكابدة الحياة في لجة الأيام ومشقة تربية الأبناء كان يكدّح ويسعى حتى أخذ التعب من ملامحه. أطرق رأسه طويلاً، ثم التفت إليها فجأة، وقد تجمّعت في عينيه دموع الامتنان وعرفان الجميل .
قال بصوت مخنوق بالاعتراف : حين أمعنت النظر في هموم الحياة اليوم عرفت كم هو شاقٌّ هذا الحمل، أدركتُ فجأة عظم الجبل الذي كنا نستند إليه بلا قلق.. كم كنتم تخفون عنا وعورة الطريق لنصل بلا خدش – كلماتٌ سقطت كالمطر على أرضٍ استطال جفافها.
ضحكت بخفة محاولة كعادتها أن تبتلع غصة الوجد، وتهرب نحو عادتها القديمة :
أبدًا.. أنتم كل حياتي، وأنا بخير.
لكن هذه المرة، تمردت الحروف ورفضت الخروج.
توقفت يدها المعطاءة.. وانهمرت دموعها بلا صوت.
لم تكن تبكي حزناً، بل كانت تبكي على سنوات طويلة أقسمت فيها أنها بخير وهي تئن وحدها، وعلى ليالٍ أحرقت فيها روحها بصمت كي لا يشعر أحد بوهن الجبل ، اقترب منها ابنها مذهولاً، وقد كشف الستار عن حقيقة ما كانت تخفيه، فأمسك بيدها قائلاً بصوت يملؤه الندم والرجاء :
لماذا تركتِنا نحملكِ طوال عمركِ وحدكِ؟.. لماذا لم تخبرينا يوماً أنكِ متعبة؟
ابتسمت وسط دموعها، وقالت بصوت هادئ يشبه حفيف الورق: لأنكم كنتم تحتاجونني قوية يا بني.. أحياناً لا يكون أقسى ما في الحياة أن نحمل أعباءنا، بل أن نحملها وحدنا، ونبتسم حتى لا يثقل على من نحب وزن انكسارنا.
وفي ذلك اليوم، أشرق في عقل ابنها وعيٌ جديد لم يدركه قط ! أن الذين اعتادوا الشموخ، ليسوا أقل الناس ألماً، بل أعظمهم إتقانًا لستر الوجع. ومنذ ذلك اليوم لم يعد يسألها باستهانة: هل أنتِ بخير؟بل صار
يجلس بقربها، ويسألها بامتنان:
وكيف حال قلبكِ اليوم يا أمي ؟
فابتسمت، وكان في ابتسامتها راحةُ من استراح من حِملٍ أثقل كاهله طويلاً، وكأنها للمرة الأولى أعلنت هدنة مع القوة، وأدركت أن الجبال العالية أحياناً بحاجة ماسة لمن يسند ضلعها المائل.

