تخيل معي شركة ضخمة لا تمتلك آبار نفط، ولا محطات كهرباء، بل تمتلك آلاف الحواسيب القوية التي تُجري ملايين الحسابات في الثانية الواحدة، وهذه الحسابات هي ما نسميه “تفكير” الذكاء الاصطناعي. هل يمكن أن تكون هذه الحواسيب ثروة، تماماً كما كان النفط ثروة، وكما أصبحت الكهرباء اليوم ورقة رابحة بيدنا ؟
في مقالي السابق تحدثت عن تحويل الكهرباء الرخيصة إلى قدرة حاسوبية تُباع لشركات الذكاء الاصطناعي. واليوم الفكرة أعمق: القدرة الحاسوبية نفسها في طريقها لتصبح “سلعة”، لها سعر، تُشترى وتُباع، كبرميل النفط أو الكيلوواط.
ثلاث خطوات توضح كيف وصلنا إلى هنا :
الأولى: الشريحة. قلب إلكتروني صغير، أشبه بمحرك السيارة. محرك قوي يجعل السيارة سريعة، وشريحة قوية تجعل الحاسوب يفكر بسرعة. لكن المحرك وحده، خارج أي سيارة، لا ينفع بشيء.
الثانية: المصنع (مركز البيانات). آلاف الشرائح مجتمعة، موصولة بشبكات سريعة، تحتاج كهرباء هائلة وتبريداً ضخماً. هذا المصنع هو الذي يُنتج “ساعات تفكير” تُباع لأي شركة تريد تشغيل ذكاء اصطناعي، كما يُنتج مصنع الكهرباء كيلوواطات تُباع للمنازل.
الثالثة: العقد. بدلاً من بيع هذه الساعات يوماً بيوم، توقّع الشركات عقوداً تمتد لسنوات: “أضمن لك استخدام هذا الحاسوب خمس سنوات، وتضمن لي الدفع كل شهر”، تماماً كعقد توريد الغاز الطويل بين دولتين. هذه الثقة هي ما يُقنع المموّل ببناء المصنع من الأساس.
ومن هنا السؤال: إذا كان بإمكاننا تحديد سعر “ساعة التفكير” ومكانها وموعد تسليمها، فلماذا لا نبيعها ونشتريها مسبقاً، كما يفعل المستثمرون بـ”عقود النفط الآجلة” دون أن يروا برميلاً واحداً ؟ هذا ما يسميه الاقتصاديون تحوّل القدرة الحاسوبية إلى صنف استثماري جديد، يقف إلى جانب النفط والذهب والعقار.
وإذا استمر هذا التحول، فقد نشهد قريباً سوقاً مالية كاملة حول القدرة الحاسوبية: أسعار، وعقود، وتأمين، وربما أسواق مستقبلية، كما حدث للنفط قبل قرن وللكهرباء في عصرنا. فكل ثروة كبيرة بدأت كمادة خام بسيطة، ثم كبرت حين تعلّم الناس كيف يقيسونها ويثقون بتدفقها. ولعل القدرة الحاسوبية هي الثروة الجديدة التي يُكتب فصلها الأول أمامنا الآن.
د. شادي بن عيسى حولدار


