في زمن كانت فيه البيوت تستيقظ على صوت المذياع قبل أن تستيقظ على ضجيج الهواتف كان للصباح حكاية أخرى وللأصوات مكانها في الذاكرة ، كان جهاز الراديو يحتل زاوية من البيت ويجتمع حوله أفراد الأسرة في هدوء جميل فيما تتسلل منه أصوات البرامج إلى أرجاء المكان حاملة أخبار الناس وحكاياتهم ومعارفهم.
ومن بين البرامج التي تركت بصمة لا تنسى في ذاكرة جيل كامل جاء برنامج الأرض الطيبة من الإذاعة السعودية ليكون رفيقا للصباح وصوتا قريبا من الأرض والمزارع والإنسان – لم يكن «الأرض الطيبة» مجرد برنامج يتحدث عن الزراعة والمواسم والمحاصيل بل كان نافذة على حياة الناس في ذلك الزمن ، يقترب من المزارع ويقدم له المعلومة والنصيحة ويجعل من الإذاعة جسرا يصل المعرفة إلى القرى والمزارع حيث كانت الأرض مصدر الرزق وموطن الحكايات.
وكان لصوت الإذاعي والأديب عبدالكريم محمود الخطيب حضور بارز في ذاكرة البرنامج ومستمعيه ليصبح صوته جزءا من صباحات اعتاد عليها الناس لسنوات طويلة ، كان المستمع يومها يعرف موعد البرنامج كما يعرف موعد عمله ومدرسته ومشاغل يومه ، وربما كان المزارع يستمع إليه وهو بين أشجاره ومحاصيله وربما كان رب الأسرة يتابعه قرب المذياع قبل أن يبدأ يومه ، تلك التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت ذاكرة كبيرة.
واليوم حين نستعيد اسم «الأرض الطيبة» لا نستعيد برنامجا إذاعيا فحسب بل نستعيد زمنا كاملا؛ نستعيد المذياع القديم والبيوت الهادئة والمزارع والبساتين ووجوه الآباء والأجداد الذين كانوا يجدون في تلك الأصوات رفيقا يوميا.
لقد تغيرت الحياة كثيرا وتبدلت وسائل المعرفة والاتصال وأصبح العالم يصل إلى أيدينا بضغطة زر لكن بعض الأشياء لا تستطيع التقنية أن تستعيدها ، لا تستطيع أن تعيد لنا صباحا كان يبدأ بصوت المذياع ولا مجلسا كان يجتمع حوله أفراد الأسرة ولا تلك الطمأنينة التي كانت تسكن تفاصيل الحياة البسيطة.
وربما لهذا بقي «الأرض الطيبة» حيا في الذاكرة.
فبعض البرامج تنتهي حين تتوقف حلقاتها لكن برامج أخرى تواصل حضورها في وجدان الناس لأنها ارتبطت بمرحلة من العمر وبوجوه غابت وبأماكن تغيرت وبأيام لا يمكن أن تعود – الأرض الطيبة كانت تتحدث عن الأرض لكنها زرعت شيئا آخر في قلوب مستمعيها… زرعت ذكرى.
ذكرى صباحات جميلة ورائحة تراب ومواسم حصاد وأصوات كانت تأتي من المذياع فتملأ البيوت دفئا وألفة ، ولهذا كلما عاد اسم «الأرض الطيبة» إلى الذاكرة عاد معه شيء من ذلك الزمن الجميل – زمن كان للصباح فيه صوت وللذكريات رائحة وللأرض حكاية .


