لا تؤذي بعض الأسئلة لأنها تبحث عن إجابة، وإنما لأنها تنتزع من الإنسان حقه في الاحتفاظ بجزء من حياته لنفسه، ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن الوقاحة لم تعد تُقدَّم بوصفها تجاوزًا، وإنما تُزيَّن بمسميات الصراحة والعفوية وحسن النية – فتجد من يقتحم خصوصيات الآخرين، ثم يستغرب ضيقهم، وكأنه يملك حقًا مكتسبًا في معرفة ما لا يعنيه، والمفارقة أن من يرفض الإجابة يُلام على تحفظه، في حين يغيب اللوم عمن تجاوز حدود اللياقة.
إن المشكلة لا تكمن في السؤال ذاته، وإنما في الاعتقاد بأن القرب يمنح صاحبه حق اقتحام المساحة الإنسانية للآخرين، وهذا الفهم المختل يجعل الامتناع عن الإجابة تصرفًا يحتاج إلى تبرير، مع أن الخصوصية حق لا يحتاج إلى دفاع، والأعجب أن من يطالب بحرية السؤال، يضيق صدره إذا وُضعت له الحدود ذاتها، وكأن الحقوق خُلقت له وحده.
إنها ازدواجية تكشف أن القضية ليست صراحة، وإنما غياب الوعي بالحقوق المتبادلة، وفي زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية تعرض تفاصيل الحياة باختيار أصحابها، ظن بعض الناس أن ذلك يمنحهم حق اقتحام حياة الجميع، غير أن ما يختار الإنسان كشفه يظل ملكًا له، ولا يتحول إلى إذن دائم بالتدخل في شؤونه، فالرقي الاجتماعي لا يظهر في كثرة الأسئلة، وإنما في معرفة ما ينبغي تركه دون سؤال، كما أن الذوق الإنساني لا يُقاس بجرأة اللسان، وإنما بقدرته على التوقف عندما تبدأ حدود الآخرين.
فالكلمة العابرة قد توقظ جرحًا لا يراه أحد، وقد تترك أثرًا يمتد طويلًا في النفس، لهذا تبقى اللياقة أصدق من الفضول، والاحترام أبلغ من أي صراحةٍ تتجاوز موضعها – فالإنسان الراقي لا يُعرف بما يجرؤ على قوله، وإنما بما يمتلك من حكمة تمنعه من قول ما لا يعنيه .

