لم تعد منصات التواصل الاجتماعي تؤدي رسالتها الحقيقية في تعزيز التواصل وتقريب المسافات، بل تجاوزها البعض لتصبح ساحات تُنتهك فيها خصوصية الأسر، وتُكشف فيها أسرار البيوت، وتُعرض أدق تفاصيل الحياة الزوجية أمام الملايين. إنها ممارسات لا تشبه مجتمعنا، ولا تمت إلى قيمه وعاداته بصلة، حتى باتت الشهرة لدى البعض تُقدَّم على الكرامة، وعدد المشاهدات يُقدَّم على حرمة الأسرة.
وما بين الحين والآخر، تطالعنا مقاطع تُوثق مشادات بين زوجين، أو لحظات غضب، أو خلافات تنتهي بالطلاق، ثم تُنشر على الملأ وكأنها مادة للترفيه أو وسيلة لجذب التفاعل. مشاهد مؤلمة تكشف كيف تحولت الخصوصية إلى سلعة، وأصبحت أسرار البيوت تُباع في سوق المشاهدات، في مشهد يبعث على الأسى قبل الاستغراب.
إن الخلافات الأسرية ليست وليدة اليوم، فهي جزء من طبيعة الحياة، وتحدث في كل زمان ومكان. لكن ما لم يكن مألوفًا أن تتحول تلك الخلافات إلى محتوى رقمي، وأن تُنقل من جدران المنزل إلى شاشات الهواتف، ليصبح الناس قضاةً يصدرون الأحكام، ومعلقين يتداولون ما لا يعنيهم، ومتفرجين على حياة كان الأولى أن تُصان.
والأشد ألمًا أن من يقدم على نشر تلك المقاطع قد لا يدرك أن دقائق من الانتشار قد تخلف سنوات من الندم. فما يُنشر في الفضاء الرقمي لا يُمحى بسهولة، وما يُهدر من كرامة يصعب استعادته، أما الأبناء فهم الضحية الأولى حين يكبرون ليجدوا تفاصيل حياة والديهم وخلافاتهما محفوظة في ذاكرة الإنترنت، يتداولها الغرباء بلا رحمة.
لقد عُرف مجتمعنا بقيم الستر، وحفظ الخصوصية، والإصلاح بين الناس، لا بفضح الأسر أو استثمار الخلافات لتحقيق الشهرة.
فالبيوت ليست استوديوهات للتصوير، ولا الخلافات الأسرية مادةً للعرض، ولا الكاميرا وسيلةً لحل المشكلات. وما يُصلحه الحوار والعقل، لا يمكن أن تُصلحه التعليقات والإعجابات.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق ضغطة زر النشر: ماذا سيبقى بعد أن تخفت ضجة التفاعل؟ هل ستعيد المشاهدات أسرةً تفككت؟ وهل ستجبر التعليقات خاطر طفلٍ رأى والديه مادةً يتداولها الناس؟ وهل تستحق لحظات من الشهرة أن يخسر الإنسان احترامه، ويهدم بيته بيده؟


