لفت انتباهي خلال تصفحي لوسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية، انتشار ما يمكن تسميته بـ«حفلات المناسبات الشخصية»؛ فلم تعد الاحتفالات مقصورة على الزواج والتخرج، بل امتدت إلى التقاعد والطلاق والخلع، وربما يأتي يوم نحتفل فيه بتعديل الأنف، أو إزالة الشعر بالليزر، أو التخلص من «اللغلوغ»!
بالأمس، شاهدت مقطعًا لسيدة، وهي معلمة متقاعدة في أواخر الخمسينيات من عمرها، تغادر مدرستها التي قضت فيها سنوات طويلة من العمل والعطاء، بعد حفل تقاعد أقامته لها زميلاتها – ولا أجد غضاضة في الاحتفاء بالزميلة وتكريمها بعد مسيرة مهنية طويلة، فهذا من الوفاء الجميل، لكن ما استوقفني هو المشهد المصوَّر وطريقة الاحتفال، حتى بدا وكأن التقاعد مناسبة استثنائية تستوجب كل هذا الاستعراض.
وهنا يبرز السؤال : متى أصبح كل حدث في حياتنا بحاجة إلى كاميرا وجمهور؟
في السابق، كانت حفلات التقاعد أكثر بساطة؛ لقاء محدود بين الزملاء والأسرة، ووجبة متواضعة أو جلسة شاي، وهدايا تحمل قيمة معنوية، وربما غادر الموظف عمله دون حفل أصلًا، لكنه يحمل معه تقدير من عملوا معه وذكريات سنواته.
أما اليوم، فقد تحولت بعض المناسبات إلى منافسة في البذخ والتصوير والنشر، وكأن قيمة المناسبة أصبحت تقاس بحجم الحفل وعدد المشاهدات – والأمر لا يتوقف عند التقاعد، فوسائل التواصل دفعت البعض إلى تحويل تفاصيل الحياة الخاصة إلى مناسبات عامة، حتى أصبح الإنسان يشعر أحيانًا بأنه مطالب بالاحتفال بكل مرحلة يمر بها، فقط لأن الآخرين يفعلون ذلك.
ومع الوقت، قد تتحول هذه المظاهر من مجرد اختيارات شخصية إلى معيار اجتماعي يضع الأسر والأفراد تحت ضغط التقليد والمجاراة، فينفقون أموالًا لم تكن المناسبة في الأصل تحتاج إلى إنفاقها-والأجمل أن يكون التكريم نابعًا من التقدير الحقيقي، لا من الرغبة في صناعة مشهد يستقطب المتابعين، فالإنسان لا تُقاس سنوات عطائه بفخامة القاعة، ولا قيمة المناسبة بعدد من شاهدوا مقطعها.
ليس الاعتراض على الفرح، ولا على التكريم، وإنما على تحول حياتنا الخاصة إلى محتوى، وتحول كل محطة فيها إلى مناسبة تحتاج إلى جمهور. فبعض اللحظات أجمل حين تُعاش لا حين تُصوَّر، وبعض الذكريات أصدق حين تبقى في القلب، لا في منصات التواصل.
فليس كل فرح يحتاج إلى جمهور، وليس كل لحظة في حياتنا تحتاج إلى كاميرا.


