لم يكن انقطاع الكهرباء الذي خيّم على قريتنا لمدة أربع ساعات مجرد عطلٍ عابر، بل كان رحلةً مفاجئة أعادت كثيرًا من أهالي القرية إلى زمنٍ مضى، حين كانت الحياة أبسط، وكانت اللقاءات أكثر دفئًا، قبل أن تأخذنا الكهرباء والشاشات إلى عزلةٍ خلف الجدران.
فما إن حلّ الظلام حتى خرج الجميع من بيوتهم، يتساءلون عن سبب الانقطاع، ثم ما لبثت الطرقات والساحات أن تحولت إلى مجالس صغيرة جمعت الجيران والأصدقاء، وكأن الظلام أعاد إلينا عادةً افتقدناها منذ زمن طويل.
هناك، بدأ الحديث عن الأيام الجميلة حين كنا نعيش دون كهرباء، نجتمع حول شَبّة النار، ويغلي براد الشاي على الجمر، ويحلو السمر بين الأهل والأصحاب. لم تكن وسائل الترفيه كثيرة، لكننا كنا نملك ما هو أجمل؛ الوقت، والرفقة، والقلوب القريبة من بعضها.
ومع امتداد ساعات الانقطاع، بدأ شريط الذكريات يدور، فتزاحمت المواقف الطريفة والأحداث التي مرّت بنا في تلك الأيام، وضحك الجميع وهم يستعيدون تفاصيل ربما غابت عن الذاكرة سنوات طويلة، لكنها عادت حاضرةً وكأنها حدثت بالأمس.
أربع ساعاتٍ في الظلام كانت كفيلة بأن تكشف لنا كم أخذتنا الحياة الحديثة بعيدًا عن تلك اللقاءات البسيطة. وربما كان أجمل ما في ذلك الظلام أنه لم يطفئ نور القرية، بل أشعل في قلوب أهلها ذكرياتٍ قديمة، وجمعهم من جديد حول حكايات الأمس الجميل.
وهكذا، أعاد لنا انقطاع الكهرباء شيئًا لم نستطع الحصول عليه رغم وفرة كل وسائل الحياة الحديثة؛ جلسةً صادقة، وضحكةً من القلب، وذكرياتٍ أثبتت أن بعض أجمل أيام العمر لا تزال تسكن فينا، تنتظر فقط لحظةً صغيرة لتتجدد.

