رمضان في #جازان : ليس ضيفاً عابر بل حكاية قديمة تتجدد

في جازان، لا يأتي رمضان كضيفٍ عابر، بل يعود كحكايةٍ قديمة تتجدد كل عام، حكاية تبدأ من الأزقة الترابية، وتمتد إلى القلوب التي ما زالت تحفظ تفاصيل الزمن الجميل، هناك حيث البساطة كانت أسلوب حياة، وحيث كان رمضان أكثر دفئًا، وأكثر قربًا من الروح.

لم يكن رمضان في جازان قديمًا موسمًا للمظاهر، بل كان زمنًا للصفاء، تبدأ الأيام على إيقاع العمل البسيط، في الحقول أو الأسواق، ثم تهدأ الحياة مع اقتراب الغروب، حيث يعود الجميع إلى بيوتهم، حاملين معهم شوق اللقاء حول مائدة الإفطار.

لم تكن البيوت فاخرة، لكنها كانت عامرة بالحب، ولم تكن الموائد مليئة بالأصناف، لكنها كانت مليئة بالبركة، كان القليل يكفي لأن القلوب كانت ممتلئة، كانت المائدة الرمضانية في جازان لوحة من البساطة، تُزيّنها أطباق تقليدية تحمل روح الأرض (العصيدة، والحيسية، والمرسة)، وغيرها من الأكلات التي تُحضّر بحب، لكن جمال المائدة لم يكن في الطعام فقط، بل في الاجتماع حولها، حيث يتشارك الجميع اللقمة، وتُقال الدعوات بصوتٍ واحد، في لحظةٍ تختصر معنى رمضان كله.

ومع غروب الشمس، تبدأ الحكاية الأجمل، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين، وتتردد أصوات القرآن في الأرجاء، في مشهدٍ يملأ القلب سكينة، وبعد الصلاة، وهم ينتظرون صوت المدفع الذي ينطلق من مدينة جيزان، والمحافظات الرئيسية بالمنطقة ومنها (صبيا، وأبو عريش)، لم يكن مجرد منبّه للإفطار، بل كان جزءًا من روح رمضان، وصوتًا يعيد للحياة معناها البسيط، كان الأطفال ينتظرونه في الأماكن الهادئة بفرح، لينقل البشارة لعوائلهم بسماع صوت المدفع وحلول وقت صلاة المغرب.

وبعد صلاة العشاء تبدأ ليالي السمر، حيث يجتمع الرجال في الساحات، وتجلس العائلات أمام البيوت، يتبادلون الأحاديث والذكريات، كانت تلك الليالي طويلة، لكنها تمر كالحلم، لأن الدفء كان حاضرًا في كل تفاصيلها.

وفي عمق الليل، كان كبار السن يتناوبون على إيقاظ النائمين، بعد سماع صوت المدفع الذي يطلق ثلاث طلقات يفصل بين كل واحدة منها فاصل زمني بسيط تحمل معه نغمة خاصة لا تُنسى، تصاحبها حركة وسط المنازل لإيقاظ النائمين من أفراد الأسرة، وتجهيز أطباق السحور، التي تقصر عادة على وجبة “الثريد” المعدة من الذرة، واللبن، مضاف إليها السمن وذرات السكر بحسب رغبة كل فرد من أفراد العائلة، استعدادا ليوم جديد من أيام الشهر الكريم، الذي ينقضي وكأنهم يلاحقون قطعة من الحلم.

في رمضان القديم، كانت جازان أكثر من مدينة، كانت عائلة واحدة، الأبواب مفتوحة، والأطباق تُهدى بين الجيران، والقلوب متقاربة لا تعرف البعد، كان التكافل حاضرًا في أبسط صوره، حيث لا ينام أحد جائعًا، ولا يشعر أحد بالوحدة.

اليوم، تغيّرت الحياة، وتعددت الأطعمة، وتسارعت الأيام، لكن رغم كل ذلك، ما زال رمضان في جازان يحمل شيئًا من ماضيه، شيئًا لا يُرى بالعين، بل يُحس بالقلب، ما زالت هناك بيوت تحافظ على العادات، وأصوات دعاء تشبه تلك التي كانت تُرفع قبل سنوات طويلة، وكأن الزمن لم يستطع أن يأخذ كل شيء.

جازان ليست مكانًا، بل قصة لا تنتهي، قصة تُكتب في كل رمضان، وتُروى في كل بيت، وتحيا في ذاكرة كل من عاش تلك الأيام، رمضان جازان، كما عاشه الأجداد، لم يكن أيامًٍا تمضي، بل كان حياة تُعاش بكل تفاصيلها، وكان درسًا بسيطًا يقول، إن الجمال الحقيقي لا يكمن في كثرة ما نملك، بل في عمق ما نشعر به.


اكتشاف المزيد من عين الإخبارية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى