ليس كل من غاب عن الضوء غاب عن الاثر، فثمة رجال يمضون في الحياة بهدوء، لا تصحب خطواتهم الضوضاء، ولا تسبق اسماءهم الفلاشات، لكنهم يتركون خلفهم ذلك النوع النادر من الاثر الذي لا يحتاج الى اعلان كي يبقى.
ومن هؤلاء يأتي الاستاذان علي احمد البارقي وعلي شعنور، بعد صدور الموافقة الكريمة بتعيينهما عضوين في مجلس منطقة عسير، في اختيار يعيد الى المشهد خبرتين من ذلك الجيل الذي تعلم ان قيمة الانسان فيما يصنع، لا فيما يقال عنه.
علي احمد البارقي بدأ من اروقة الكيمياء معلما ومربيا، ثم مضى في سلم التعليم حتى قاده، محتفظا بهدوئه وخلقه وصمت الكبار. لم تغيره المواقع، لان بعض الرجال يكبرون بالمكان، وبعضهم هو الذي يمنح المكان قيمته.
وعلي شعنور حمل رسالة المعلم والداعية ورجل الاصلاح، وعرفه الناس في ميادين الخير واصلاح ذات البين، قريبا من المجتمع، حاضرا حين يحتاج الموقف الى كلمة تجمع لا تفرق، والى حكمة تطفئ الخلاف قبل ان يتسع.
تقاعد الرجلان من الوظيفة، لكنهما لم يتقاعدا من القيمة ، عاشا بعيدا عن صخب المشهد، ثم عادا اليه من باب اوسع، يحملان خبرة السنين ونضج التجربة وذاكرة طويلة في خدمة الانسان.
فالملهم يشبه وميض البرق، قد لا تلحق به كل العيون، لكن المطر الذي يولد بعده يصل الى الجميع – وهكذا هم اصحاب الاثر الحقيقي؛ لا ينشغلون بمن يراهم، بل بما يبقى منهم. وتعيينهما ليس عودة رجلين الى موقع جديد بقدر ما هو عودة الخبرة الى مكانها الطبيعي – لان المجالس تكبر حين يجلس فيها من كبرتهم التجارب.

