حوار وإعداد : فاطمة واصلي – جازان
بين الألوان والخطوط تبدأ الحكاية، وحين تعجز الكلمات عن ملامسة المشاعر، تتولى اللوحة مهمة التعبير. هنا يتجلى الفن التشكيلي بوصفه لغة بصرية تتجاوز حدود اللون والشكل، وتحمل في تفاصيلها ذاكرة الفنان وأفكاره ونظرته الخاصة إلى الحياة.
ومن بين أصحاب الريشة الذين اختاروا اللون وسيلة للحوار، يبرز الفنان التشكيلي محمد بن سويد الجديبا الحربي بتجربة فنية ثرية، لم تتوقف عند الرسم والتصوير التشكيلي، بل امتدت إلى النحت والتشكيل والأعمال المجسمة، لتشكل مسيرة بدأت بموهبة مبكرة، ونمت بالممارسة والتجربة، حتى أصبحت لكل لوحة بصمتها الخاصة وحكايتها التي تصل إلى المتلقي قبل الكلمات.
في هذا الحوار، تقترب «عين الإخبارية» من تجربة الفنان محمد الجديبا، وتستعيد معه بدايات الشغف، وأبرز محطات مسيرته، ومصادر إلهامه، والتكريمات التي يعتز بها، والإنجازات التي صنعت فارقًا في تجربته، إلى جانب رؤيته لدور الفن في المجتمع، وحلمه الذي لم يكتمل بعد.
1 ـ من هو الفنان التشكيلي محمد الجديبا ؟ وكيف تصف لنا الرحلة التي شكّلت ملامح تجربتك وأسلوبك الفني؟
أنا محمد بن سويد الجديبا الحربي، فنان تشكيلي شغوف بمختلف مجالات الفنون البصرية؛ إذ تتسع تجربتي لتشمل التصوير التشكيلي، إلى جانب النحت والتشكيل والأعمال الفنية والمجسمة.
وترتكز مسيرتي الفنية على ثلاثة أبعاد رئيسية: الفن من أجل الوطن، والتميز، وحفظ التراث. ومن خلال هذه الرؤية، توالت تجاربي وإنجازاتي، وتجسدت في أعمال إبداعية حظيت بتقدير واهتمام على المستويين المحلي والدولي.
2 ـ كيف تشكّلت علاقتك بالفن التشكيلي؟ ومتى أدركت أن الرسم ليس مجرد هواية، بل شغف يستحق أن يكون جزءًا من مسيرتك؟
بدأت علاقتي بالفن التشكيلي في مرحلة مبكرة، وتحديدًا خلال المرحلة المتوسطة، عندما اخترت رئيسًا لجماعة التربية الفنية.
ولم يكن في المدرسة آنذاك معلم للمادة، فوجدت نفسي الطالب والمعلم في الوقت نفسه. منحني معلمي الثقة الكاملة، وسلّمني مفتاح صالة التربية الفنية، وكان ذلك بمثابة فتح باب واسع أمامي لإدارة زملائي، ومشاركة شغف الإبداع معهم، وصناعة لوحات وأعمال فنية تركت في ذاكرتي أثرًا لا يُنسى.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الرسم بالنسبة لي مجرد هواية عابرة، بل أصبح عالمًا أجد فيه نفسي وأعبّر من خلاله عن أفكاري ومشاعري.
3 ـ من كان صاحب الأثر الأول في مسيرتك الفنية؟ ومن الشخص الذي آمن بموهبتك وشجّعك على الاستمرار؟
صاحبا الأثر الأول في حياتي الفنية هما والدي ووالدتي وكنت أشاهد والدتي وهي تزخرف الجدران بزخارف شعبية جميلة، وتنقش أروع نقوش الحناء، وتخيط الملابس والموديلات، وكان لذلك أثر كبير في تكوين ذائقتي البصرية منذ الصغر.
أما والدي، فكان ميكانيكي سيارات محترفًا، ولم يكتفِ بتشجيعي، بل كان يوفر لي الأدوات والمعدات التي أحتاج إليها. حتى إنه اشترى لي منشارًا كهربائيًا وأنا في المرحلة المتوسطة، وفتح لي المجال لأشكّل الخشب، وأصنع الأبواب والخزائن والطاولات، وأبتكر المجسمات ، لقد منحني والداي مساحة واسعة للتجربة، وكان ذلك من أهم أسباب نمو موهبتي واستمرارها.
4 ـ هل جاءت انطلاقتك الفنية من خلال الدراسة الأكاديمية، أم أن الموهبة والممارسة اليومية كانتا بوابتك الأولى إلى عالم الفن؟
كانت انطلاقتي الحقيقية من الممارسة اليومية منذ المرحلة الابتدائية. كنت أستثمر أوقات فراغي بين الألوان وألواح الخشب، وأجد متعتي في الرسم والتشكيل.
وفي إحدى المراحل، زار والدي المدرسة، وكان يخشى أن يؤثر انشغالي بالرسم في تحصيلي الدراسي. لكن مدير المدرسة تعامل مع الأمر بحكمة؛ فأحضر نماذج لطلاب يجمعون بين التفوق الدراسي والموهبة الفنية، وقال لوالدي: «هؤلاء رسامون ومتفوقون في الوقت نفسه» كانت تلك الكلمات كفيلة بتغيير وجهة نظر والدي، فتحول القلق إلى دعم وتشجيع، وأصبح الفن بالنسبة لي مجالًا أمارسه دون أن يكون على حساب دراستي.
5 ـ ما أول لوحة حملة توقيعك؟ وماذا تعني لك اليوم بعد كل ما قطعته من مشوار؟
كانت أول لوحة تحمل توقيعي عندما كنت طالبًا في معهد التربية الفنية بالرياض ، وأتذكر أن أحد الأساتذة قال لي آنذاك: «سأصنع لك توقيعًا خاصًا بلوحتك؛ لأن أعمالك ستشارك في مهرجان الجنادرية».
كانت تلك اللوحة أول عمل فني لي يتم اقتناؤه، وقد اشتراها أحد الزوار الأوروبيين للمعرض بمبلغ مجزٍ ، لذلك تمثل تلك اللوحة، وما رافقها من توقيع واقتناء، نقطة الانطلاقة الحقيقية في مسيرتي الفنية، وبداية شعوري بأن الفن يمكن أن يتجاوز حدود المكان إلى آفاق أوسع.
6 ـ كل بداية تحمل تحدياتها.. ما أبرز الصعوبات التي واجهتك؟
من المواقف التي لا أنساها، أنني رسمت منظرًا على لوحة خشبية، فنالت إعجاب معلمي، وقام بتعليقها في المدرسة الحكومية التي انتقلنا إليها حديثًا، وكنت حينها في الصف الثاني المتوسط وتجمع الطلاب حول اللوحة منبهرين بها، لكن أحد المعلمين، الأستاذ سمير، شكك في أنني صاحبها، وقال مستنكرًا: «مستحيل أن يكون هو من رسمها» في تلك اللحظة، هبّ زملائي الطلاب للدفاع عني، وأكدوا له أنني بالفعل صاحب اللوحة.
كان شعوري حينها مزيجًا من القهر والفخر؛ قهر من التشكيك في موهبتي، وفخر لأن العمل الفني وصل إلى درجة جعلت البعض يستبعد أن يكون من تنفيذ طالب في تلك المرحلة ، وبمرور السنوات، أصبحت تلك الحادثة بالنسبة لي ذكرى طريفة ودافعًا إضافيًا للاستمرار وإثبات الذات بالعمل والإنجاز.
7 ـ بين قاعات الفن ووهج المعارض.. ما أبرز المحطات والمشاركات التي تركت بصمة واضحة في مسيرتك؟
من أبرز المحطات التي أعتز بها مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة، الذي فتح لنا آفاقًا واسعة لعرض أعمالنا وتسويقها ، وكان التنوع الثقافي الكبير لزوار المهرجان، واختلاف جنسياتهم واهتماماتهم، دافعًا قويًا لنا نحو الإبداع والتميز في مجالات فنية متعددة، خصوصًا أن اقتناء الأعمال كان يمثل حافزًا كبيرًا لتقديم المزيد.
وامتدت تجربتي لاحقًا إلى المجال التربوي، وعند انتقالي إلى الإشراف التربوي، حظيت بدعم كريم من مدير التعليم، تمكنت من خلاله من تأسيس عدد من المعامل الفنية في المدارس، بهدف رعاية المواهب الناشئة، وإتاحة البيئة المناسبة أمام الطلاب لاكتشاف قدراتهم وتنميتها.
8 ـ خلال رحلتك الفنية، هل حظيت بجوائز أو تكريم تعتز به ؟ وماذا مثّلت لك على المستوى الشخصي والفني؟
كان تكريمي الأول بعد تحقيق المركز الثاني على مستوى كليات المملكة في مسابقة النحت والعمارة ، لكن من أبرز المحطات التي أعتز بها في مسيرتي تشرفي بالتكريم من لدن سمو وزير الداخلية ولي العهد الأمير نايف بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ، وذلك تقديرًا لبرنامج فني خصصته لأبطال الأمن – وأثمر البرنامج عن إنتاج 100 ألف ميدالية خشبية منحوتة تحمل عبارات الشكر والامتنان لرجال أمننا البواسل، وجرى توزيعها على مستوى المملكة.
كان ذلك التكريم بالنسبة لي تقديرًا للفن حين يتحول إلى رسالة وطنية، ويصبح وسيلة للتعبير عن الامتنان لمن يخدمون الوطن ويحافظون على أمنه.
9 ـ ماهو الإنجاز الذي ترى أنه شكّل نقطة تحول حقيقية في تجربتك؟
من المحطات المضيئة في مسيرتي فوزي بالمركز الثاني على مستوى المملكة في مسابقات كليات التربية الفنية التي أقيمت في الأحساء ، وفي يوم تكريمي، وجّه إليّ عميد الكلية كلمات لا تزال حاضرة في ذاكرتي، وقال لي: «اليوم تقف فائزًا ومكرمًا كطالب على مستوى الوطن، وغدًا ستكون معلمًا للفنون.. وكل ما أتمناه أن ينعكس هذا التميز على طلابك، ليكونوا هم تميز الغد وقادة منصات التتويج».
والحمد لله، أثمرت تلك الكلمات شغفًا وعطاءً، وتمكنت مع طلابي حتى اليوم من تحقيق نحو 30 فوزًا وتتويجًا على مستوى المملكة ودول الخليج العربي.
10 ـ لو أُتيح لك اختزال رحلتك الفنية كلها في لوحة واحدة، فما الفكرة التي ستختار أن تحكيها ألوانها؟
لو أتيح لي اختزال رحلتي الفنية في لوحة واحدة، فسأقول إن الفن عالم شاسع؛ كلما تعمقت في تفاصيله غبت في متاهاته – هو أشبه ببئر عميقة لا تدرك العين قعرها، ولا تعلم أفي أعماقها ماء يروي أم سراب يغوي – ومن هذه المساحة الواسعة التي لا نهاية لها، تولد الفكرة، وتتشكل اللوحة، ويستمد الفنان إلهامه.
11 ـ خلف كل إنجاز حلم آخر ينتظر دوره.. ما الحلم الفني الذي ما زال يسكن طموحك؟
أطمح إلى استكمال تجهيز مرسمي ومتحفي الخاص في أقرب وقت، ليكون مزارًا فنيًا وثقافيًا رائدًا على مستوى منطقة جازان والمملكة ، وأحلم بأن يكون هذا المكان مساحة مفتوحة للفن، وذاكرة تحفظ الأعمال والتجارب، ونافذة يطل من خلالها الجيل الجديد على الفن والتراث والإبداع.
14 ـ إلى أي مدى تطمح أن تصل رسالتك الفنية؟
تتلخص رسالتي الفنية في نشر الوعي المجتمعي بدور الفن في غرس القيم الوطنية والاجتماعية، وتعليم المهارات الفنية والمهنية والصناعية ، وقد حرصت على تقديم هذه الرسالة في مختلف المحافل التي شاركت فيها.
ومن الأحلام التي تحققت ـ ولله الحمد ـ أن أتيحت لي فرصة عرض هذه الإبداعات الفنية في المجلس المسائي لصاحب السمو الملكي أمير منطقة جازان، الذي يضم نخبة من المسؤولين والمشايخ والمثقفين.
وهناك تحدثت عن أثر الفن في تربية النشء وتنمية مهاراتهم فنيًا ومهنيًا، وقدمت عرضًا مرئيًا امتد لنحو ساعة عبر الشاشات، استعرضت خلاله نماذج من الأعمال الفنية والمهنية التي قدمتها – وكان من أجمل ما خرجت به من ذلك اللقاء إشادة سمو الأمير وضيوفه الكرام بما قدمته، وهو أمر أعتز به كثيرًا.
15 ـ ماذا تقول لمن يحمل موهبة حقيقية لكنه لا يزال مترددًا في اتخاذ الخطوة الأولى؟
أقول لكل موهوب: الفن يمنحك بقدر ما تمنحه من وقت وجهد – استمر في الممارسة، وخض التجارب، وتأمل أعمال الآخرين، ووسّع معارفك؛ فالتغذية البصرية هي وقود الإبداع، وهي التي تساعدك على تطوير أدواتك والوصول إلى هدفك لا تنتظر اللحظة المثالية، ابدأ بما لديك، وتعلم من كل تجربة، ودع الاستمرار يصنع الفرق.
16 ـ لو مُنحت إحدى لوحاتك فرصة الحديث عنك بدلًا منك، ماذا تتوقع أن تقول؟
ربما ستقول: «أنا محمد، ذاك الذي يعشق الفن ويذوب في تفاصيله حتى الغرق. وفي كل مرة يعلّق فيها لوحة، يقول لها: لستِ مكتملة بعد، لكنني سأعود يومًا لأتمم ملامحك، ونكمل حوارنا».
وهذه ربما تختصر علاقتي بالفن؛ فاللوحة عندي ليست عملًا ينتهي بمجرد وضع اللمسة الأخيرة، بل حوار مستمر بين الفنان والعمل.
في نهاية اللقاء نود منك توجيه كلمة أخيرة إلى «عين » الإخبارية
في البداية، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى صحيفة «عين » الإخبارية على دعمها المستمر للفنون والحراك التشكيلي السعودي – كما أعبّر عن إعجابي الكبير بأسئلة هذا الحوار، التي لامست شغفي العميق بالفن، ووصلت إلى أعماق تجربتي، واستحضرت كثيرًا من الذكريات والمشاعر التي رافقتني طوال مسيرتي الفنية.
لقد كانت أسئلة عميقة وثرية، واستفزت ذاكرتي ومشاعري عبر السنين، حتى وجدتني عاجزًا عن التعبير أمام جمال طرحكم وعمقه – كل الشكر والتقدير لـ «عين »الإخبارية على هذه المساحة التي منحتني فرصة للحديث عن تجربتي، وعن الفن الذي اخترته لغةً ورسالةً وحياة.





