في السابع عشر من يونيو لعام 2026، احتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف تحت شعار يحمل عمقاً استراتيجياً: “المراعي: الاعتراف بها، احترامها، واستعادتها”. وإذا التفتنا إلى بيئتنا المحلية في المملكة، وتحديداً في محافظة “رنية” بمنطقة مكة المكرمة، سنجد أننا نمتلك سلاحاً ربانياً فريداً لمكافحة زحف الرمال وتدهور الأراضي، يتمثل في شجرة “اللبان العربي” أو (اليسر والمورينجا العربية)، وهي الشجرة التي تغنى بها أجدادنا باسم “غصن البان” لجمالها ورقتها، لكنها اليوم تواجه خطر النسيان والاندثار.
وأكد المهتم بالشأن البيئي سعد بن عبدالله بن هميل بن قطنان بأن الشجرة الأصلية (Moringa peregrina) تنتشر طبيعياً في قمم وجبال وأودية رنية، مثل هضاب أم نداف، جبال الكور، جبل خشرم، وهضب سبيع، هضبة أم عنيق، ورغم قساوة الظروف المناخية في الدرع العربي الجنوبي، تثبت هذه الشجرة صموداً أسطورياً؛ فهي دائمة الخضرة، سريعة النمو، وتتحمل أعلى درجات الحرارة والجفاف. غير أن قيمتها الحقيقية تتجاوز شكلها الجمالي؛ فجذورها المتشعبة تعمل كـ “مهندس بيئي” يثبت التربة ويمنع تعريتها، فضلاً عن بذورها التي تنتج “زيت المورينجا” عالي القيمة الغذائية والاقتصادية.
إننا أمام كنز بيئي واقتصادي مهمل، يستصرخ همم الجهات البيئية والمسؤولين. إن ترك هذه الأشجار لمواجهة الرعي الجائر والتغير المناخي دون تدخل منظم هو هدر لثروة وطنية تدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء.
من هنا، ومن منبر هذه الصحيفة، أتقدم بنداء عاجل إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة، وإلى المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وإلى الجمعيات البيئية والتعاونية في منطقة مكة المكرمة، لإطلاق:
المبادرة الوطنية: “غصن البان لاستعادة مراعي رنية”
إننا بحاجة إلى تحويل هذا الشعار إلى خطة عمل ميدانية عاجلة ترتكز على أربعة محاور:
1. حملات استزراع كبرى : إطلاق حملة تشجير موسعة بالتعاون مع المتطوعين لزراعة مئات الشتلات في بيئتها الطبيعية ومزارع رنية لتوسيع الغطاء النباتي.
2. التمكين الاقتصادي للمزارعين : تقديم دعم مالي ومعرفي لمزارعي المحافظة لتشجيعهم على استزراع الشجرة، وتسهيل وسائل إنتاج وعصر “زيت المورينجا” ليكون مصدراً للدخل المحلي.
3. تأسيس حمايات طبيعية : إعلان مناطق الانتشار الكثيف للشجرة (مثل جبل خشرم وهضبة أم عنيق وهضبة أم نداف) كمحميات طبيعية محلية لحمايتها من التعديات والرعي الجائر، وتحويلها إلى وجهات للسياحة البيئية.
4. التوعية والبحث العلمي : تفعيل دور المدارس والمنصات الإعلامية برنية للتوعية بأهمية الشجرة، ودعم الأبحاث المحلية لاستغلال خواصها الطبية والغذائية.
إن شجرة اللبان العربي في رنية ليست مجرد نبتة تنبت في الصخر، بل هي شريك حقيقي في بناء مستقبلنا الأخضر. حمايتها وإكثارها اليوم ليس رفاهية، بل هو واجب وطني وبيئي لحفظ أراضينا ومراعينا للأجيال القادمة.



مضحي البقمي