رغد السيد – جدة
تقنيات تتصدر صناعة المحتوى وتختصر زمن التحرير.. والصحفي يبقى حارس الحقيقة وصاحب القرار
لم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات مساندة في غرف الأخبار، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في إعادة تشكيل المشهد الصحفي، من جمع المعلومات وتحليل البيانات، إلى تحرير النصوص وصناعة العناوين وتكييف المحتوى مع طبيعة المنصات الرقمية. وبينما تمنح هذه التقنيات المؤسسات الإعلامية فرصًا غير مسبوقة لرفع الكفاءة وتسريع الإنتاج، تضع المهنة أمام اختبار أكثر حساسية يتعلق بالدقة والمصداقية والمسؤولية التحريرية.
إنها مرحلة تتجاوز حدود التطور التقني إلى إعادة تعريف أدوار الصحفيين، وطبيعة العمل داخل غرف الأخبار، وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالتحدي لم يعد في القدرة على إنتاج الخبر بسرعة، بل في ضمان صحته، والتحقق من مصادره، وصون ثقة الجمهور.
جذور التحول.. قبل ChatGPT
لم يبدأ توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة مع ظهور «ChatGPT»، بل سبقت مؤسسات إعلامية عالمية إلى الاستفادة من الأنظمة الآلية في إنتاج المحتوى؛ إذ وظفت وكالة «أسوشيتد برس» تقنيات آلية لإعداد التقارير المالية، فيما استعانت صحيفة «واشنطن بوست» بأنظمة مماثلة في تغطية الانتخابات والأحداث الرياضية.
ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، اتسع نطاق الاستخدام داخل المؤسسات الإعلامية. وكشف استطلاع أجرته «أسوشيتد برس» في ديسمبر 2023، وشمل 292 من العاملين في المجال الإخباري، أن 73.8% منهم أو مؤسساتهم استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي، وجاء إنتاج النصوص في مقدمة مجالات الاستخدام.
النموذج الهجين.. الآلة تعالج والصحفي يقرر
يصف الدكتور حاتم المسعودي، الأكاديمي المختص في صحافة الذكاء الاصطناعي، في حديثه لـ«عين الإخبارية»، المرحلة الراهنة بأنها «تحول حقيقي» في صناعة الإعلام، مؤكدًا أهمية التمييز بين استخدام التقنية لمجرد تسريع العمل، وتوظيفها بما يسهم في الارتقاء بجودة المنتج الصحفي؛ إذ إن «ليس كل تحول تقني بالضرورة تطورًا مهنيًا».
ويرى المسعودي أن غرف الأخبار تتجه نحو نموذج هجين تتكامل فيه قدرات الإنسان والآلة؛ فتتولى الأنظمة الذكية مهام المعالجة والتحليل وتسهيل الوصول إلى المعلومات، فيما يحتفظ الصحفي بأدواره الجوهرية في التفكير النقدي والتحقق وصناعة المعنى، وتظل مسؤولية النشر والقرار التحريري بيده – وهذا التحول لا يعني تراجع دور الصحفي، بقدر ما يعيد توجيه جهده نحو المهام الأكثر قيمة، ويمنحه أدوات تساعده على التعمق في القضايا بدل استنزاف وقته في الأعمال المتكررة.
أخبار أفضل .. حين تستعيد الصحافة وقتها
تتجلى القيمة العملية للذكاء الاصطناعي في المهام الإجرائية التي تستهلك وقتًا وجهدًا كبيرين، مثل تفريغ المقابلات، وتلخيص الوثائق، وتحليل قواعد البيانات الضخمة، ورصد الاتجاهات واستخلاص المؤشرات.
ويجد هذا الاستخدام قبولًا نسبيًا لدى الجمهور؛ إذ أظهر تقرير معهد «رويترز» لعام 2025 أن 55% من المشاركين يشعرون بالارتياح تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي، و53% في الترجمة، مقابل 19% فقط عند الاعتماد على مقدّمين أو كتّاب اصطناعيين.
ولا تكمن المكاسب الحقيقية في زيادة حجم الإنتاج الصحفي فحسب، بل في تحرير الصحفي من الأعمال الروتينية، وإتاحة مساحة أوسع أمامه للبحث والتحليل والاستقصاء، وهو ما يختصره المسعودي في أن بوصلة المهنة ينبغي أن تتجه نحو «إنتاج أخبار أفضل».
الثقة أولًا .. الهلوسة تهدد مصداقية المحتوى
في مقابل الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، تبرز تحديات تمس جوهر العمل الصحفي، وفي مقدمتها دقة المعلومات، والتحقق من المصادر، والتمييز بين المحتوى البشري والمحتوى المولد أو المعدل آليًا.
ويحذر المسعودي من أن الثقة تمثل «رأس المال الحقيقي» للإعلام، وأن الحفاظ عليها يتطلب وعيًا بمخاطر ما يعرف بـ«الهلوسة»، التي قد تدفع الأنظمة الذكية إلى تقديم معلومات غير صحيحة أو مراجع غير دقيقة بصياغة تبدو مقنعة.
وتكشف دراسة قادتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في أكتوبر 2025، وشارك في تقييمها صحفيون من 22 مؤسسة إعلامية عامة، عن حجم هذا التحدي؛ إذ فحصت أكثر من 3 آلاف إجابة قدمتها مساعدات الذكاء الاصطناعي، ووجدت مشكلة جوهرية واحدة على الأقل في 45% من الإجابات، وأخطاء كبيرة في الدقة في 20% منها.
وتؤكد النتائج أن مخرجات الأنظمة الذكية لا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق جاهزة للنشر، بل معلومات تحتاج إلى مراجعة مستقلة وتدقيق مهني قبل اعتمادها.
كما يعكس موقف الجمهور أهمية العنصر البشري في صناعة الأخبار؛ إذ أظهرت البيانات أن 62% يشعرون بالارتياح تجاه الأخبار المكتوبة بالكامل بواسطة البشر، مقابل 12% فقط للأخبار المولدة آليًا بالكامل.
ويحدد المسعودي ثلاث ركائز أساسية لحماية الثقة الإعلامية: الشفافية في استخدام التقنية، والتحقق الصارم من المعلومات ومصادرها، ووجود مسؤولية تحريرية واضحة عن كل مادة منشورة، إلى جانب سياسات معلنة توضح للجمهور دور الذكاء الاصطناعي عندما يكون تأثيره جوهريًا في إنتاج المحتوى.
الصحفي حارس البوابة.. والآلة ليست بديلًا
في ظل هذا التحول، لن تكون المنافسة الإعلامية محصورة في سرعة النشر أو حجم المحتوى، بل في قدرة المؤسسات على المحافظة على ثقة جمهورها، وتقديم معلومات موثوقة وسط تدفق هائل من المواد المولدة آليًا.
ومن هنا، تزداد أهمية الصحفي بوصفه حارس البوابة الإعلامية، والمسؤول عن التحقق والاختيار والتفسير، وصاحب الكلمة الفصل في اعتماد المحتوى ونشره – ويختتم المسعودي رؤيته بالتأكيد على أن «المصداقية تبنيها الممارسة المهنية وتحميها المسؤولية الإنسانية»، في إشارة إلى أن التقنية مهما بلغت قدراتها لا تستطيع أن تحل محل الضمير المهني والمسؤولية التحريرية.
السعودية.. من الوثيقة إلى التطبيق
وعلى الصعيد الوطني، تتجه المملكة إلى ترسيخ إطار مهني وأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، من خلال جهود مشتركة بين وزارة الإعلام والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، تُوّجت بإطلاق وثيقة «مبادئ أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام»، خلال المنتدى السعودي للإعلام، بمشاركة الهيئة العامة لتنظيم الإعلام وهيئة الإذاعة والتلفزيون.
وتضع الوثيقة ضوابط لاستخدام التقنيات الذكية في إنتاج المحتوى الإعلامي، من بينها الإفصاح عن المحتوى الذي أُنتج أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الاستفادة من العلامات المائية، إلى جانب حماية الأفراد من الاستخدام غير المشروع لصورهم وأصواتهم دون مسوغ نظامي. وقد وصلت الوثيقة إلى مرحلة الترشيح لجائزة القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS).
ولم تقتصر الجهود السعودية على وضع الأطر التنظيمية، بل امتدت إلى بناء القدرات وتأهيل الكفاءات الوطنية، عبر مبادرات نوعية من بينها مركز التميز للذكاء الاصطناعي في الإعلام، ومعسكر «مستقبل الإعلام»، ومعسكر «الإبداع بالذكاء الاصطناعي» الذي أطلقته «سدايا» لصناع المحتوى، مع التركيز على الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتقنيات الحديثة، إضافة إلى مسار الصحافة المعززة بالذكاء الاصطناعي ضمن معسكر الابتكار الإعلامي.
وفي سياق دعم المحتوى العربي، برزت جهود تطوير النماذج اللغوية الوطنية، من خلال نموذج «علام» الذي طوره المركز الوطني للذكاء الاصطناعي في «سدايا»، إلى جانب نموذج ALLaM 34B الذي طورته «هيوماين»، بما يعزز إمكانات توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة اللغة العربية وإنتاج المحتوى.
مستقبل الإعلام.. إنسان يقود وآلة تُمكّن
تكشف التحولات المتسارعة في صناعة الأخبار أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تقنيًا هامشيًا، بل واقعًا يعيد رسم ملامح العمل الإعلامي، ويمنح المؤسسات أدوات أوسع للإنتاج والتحليل والوصول إلى الجمهور.
غير أن مستقبل الصحافة لن يُحسم بقدرة الآلة على كتابة الخبر أو صياغة العنوان، بل بقدرة الإنسان على توجيهها ومراجعة مخرجاتها وتحمل مسؤولية ما يُنشر – وبين سرعة الآلة وحكمة الإنسان، تتشكل معادلة الإعلام الجديد: تقنية ترفع الكفاءة، وصحفي يصنع المعنى، ومؤسسة تحمي الحقيقة؛ فمهما تطورت أدوات النشر، ستظل الثقة هي المعيار الأهم لنجاح الصحافة واستمرار تأثيرها.


