رغم ما شهدته مزارع محافظة الخرمة من تطور كبير في أساليب الزراعة والري، ودخول التقنيات الحديثة التي أسهمت في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الخدمات الزراعية، فإنها لا تزال تحتفظ بالكثير من ملامحها التراثية التي تعاقبت عليها الأجيال، لتبقى شاهدة على تاريخ طويل من العطاء، وتجسد عمق العلاقة التي ربطت الإنسان بأرضه ونخيله وموروثه الزراعي الأصيل.
ففي الوقت الذي استُبدلت فيه السواقي التقليدية المعروفة محليًا بـ«الجوابي» في عدد من المزارع بالبرك الحديثة وشبكات الري المتطورة، لا تزال «العشة» أو العريش تتصدر المشهد بوصفها أحد أبرز الرموز التراثية التي حافظت على حضورها حتى اليوم.
العشة جزء من المزرعة القديمة
وتُعد العشة جزءًا أصيلًا من مكونات المزرعة القديمة، إذ كانت تمثل مجلسًا ومتنفسًا لأصحاب المزارع والعاملين فيها، ومكانًا يجتمع فيه أفراد الأسرة والضيوف للاستراحة وقضاء أوقاتهم في أجواء ريفية هادئة. كما ارتبطت بالعديد من الأعمال الزراعية، وفي مقدمتها موسم صرام التمور، حيث تُستخدم في تنقية المحصول وفرزه وتجهيزه قبل نقله أو تسويقه، إلى جانب كونها مكانًا لتناول الطعام والراحة خلال ساعات العمل في المزرعة.
مكونات العشة
وتُشيَّد العشة من المواد الطبيعية المتوفرة في البيئة المحلية، وفي مقدمتها سعف وجريد النخيل، فيما تُقام أعمدتها من خشب الأثل المعروف بقوته وقدرته على تحمل الظروف المناخية.
ويتميز تصميمها بالبساطة والانسجام مع البيئة المحيطة، إذ تكون مفتوحة من جميع الجهات أو يُغلق أحد جوانبها بحسب الحاجة، بما يسمح بتجدد الهواء ودخول النسائم الطبيعية، ويوفر مكانًا ظليلًا يقي من حرارة الشمس ويمنح الجالسين فرصة للاستمتاع بجمال المزارع الممتدة وصفوف النخيل الوارفة.
وتحرص كثير من المزارع في محافظة الخرمة على الإبقاء على العشة ضمن مكوناتها الأساسية، ليس فقط لأهميتها العملية، وإنما لما تمثله من قيمة تراثية وثقافية تعكس أسلوب الحياة الذي عاشه الآباء والأجداد، وتروي جانبًا من تفاصيل البيئة الزراعية التي شكلت جزءًا من هوية المحافظة على مدى عقود طويلة.
إعادة التنفيذ بطرق حديثة
ومع تنامي الاهتمام بالتراث المحلي وإحياء عناصره في التصاميم الحديثة، انتقلت فكرة العشة من المزارع إلى الحدائق المنزلية والعامة والاستراحات والشاليهات والمقاهي والكافيهات، حيث أعيد تنفيذها بمواد أكثر تطورًا مع المحافظة على شكلها التراثي وروحها الأصيلة.
وأصبحت تمثل عنصرًا جماليًا يضفي طابعًا تراثيًا على المكان ويمنح الزوار تجربة تستحضر ذكريات الماضي وتلامس تفاصيل الحياة الريفية التي عُرفت بها المنطقة.
وتؤكد العشة، بما تمثله من قيمة تاريخية واجتماعية، أن التراث الزراعي في محافظة الخرمة ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو إرث حي ما زال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويجد طريقه إلى الأجيال الجديدة في صورة تجمع بين الأصالة والحداثة، بما يسهم في الحفاظ على الهوية المحلية وتعزيز الارتباط بالموروث الوطني الذي يشكل جزءًا مهمًا من ذاكرة المكان والإنسان.


