لم يعد الحطب المعروض في الأسواق ناتجًا عن الأشجار اليابسة وحدها، بل تشير مشاهدات ميدانية إلى أن جزءًا منه يبدأ رحلته من أشجار خضراء كانت قبل أشهر فقط جزءًا من الغطاء النباتي في الأودية والسهول والجبال.
وخلال جولات ميدانية في عدد من المواقع البرية رصدت ” عين ” الإخبارية ممارسات احتطاب تمتد إلى أشجار البعض ربما ما زالت حية، في مشهد يثير تساؤلات حول حجم الاستنزاف الذي يتعرض له الغطاء النباتي، ومدى الالتزام بالأنظمة التي تحظر قطع الأشجار دون تصريح.
من الشجرة إلى السوق
في المواقع التي شملها الرصد، لم يقتصر الاحتطاب على جمع الأخشاب اليابسة، بل ظهرت آثار اقتلاع وقطع لأشجار خضراء، بعضها تُرك في أماكنه بعد تقطيعه حتى يجف، قبل نقله لاحقًا إلى أسواق الحطب.
ويرى متابعون أن ارتفاع الطلب على الحطب، وتوسع استخداماته خارج نطاق التدفئة، أسهما في زيادة عمليات الاحتطاب، حتى أصبحت تمارس على مدار العام، ولم تعد مرتبطة بمواسم محددة كما كان الحال في السابق.
وسائل متعددة .. ونتيجة واحدة
أظهرت المشاهدات الميدانية تنوعًا في الأساليب المستخدمة لقطع الأشجار – ففي بعض المواقع، تُقتلع الأشجار بواسطة المركبات بعد ربط جذوعها، ثم تُقطع بالفؤوس إلى أجزاء يسهل نقلها، بينما يعتمد آخرون على المناشير الكهربائية التي تختصر الوقت والجهد، وتمكن من قطع الأشجار الكبيرة خلال دقائق.
وفي مواقع أخرى بدت آثار احتراق عند قواعد الأشجار، ما يرجح استخدام النار لإضعاف الجذوع حتى تسقط. كما ظهرت مؤشرات على تعمد إتلاف بعض الأشجار عبر العبث بجذورها أو لحائها، وهي ممارسات تؤدي إلى موتها تدريجيًا قبل تحويلها إلى حطب.
أشجار معمرة في دائرة الاستهداف
لا تستهدف هذه الممارسات نوعًا واحدًا من الأشجار، بل تمتد إلى عدد من الأنواع المحلية التي تكيفت مع البيئة الصحراوية عبر مئات السنين.
ففي الأودية تنتشر أشجار الطلح والسمر والعوسج والكداد، بينما تنمو الأرطى والغضا والمرخ في المناطق الرملية، وتزدهر أشجار العرعر والسرح في المرتفعات الجبلية. ويؤكد مختصون أن هذه الأشجار تؤدي دورًا مهمًا في تثبيت التربة، والحد من التصحر، وتوفير موائل للكائنات الفطرية، وأن فقدانها ينعكس سلبًا على التوازن البيئي.
آثار تتجاوز فقدان الأشجار
لا تتوقف آثار الاحتطاب الجائر عند اختفاء الأشجار، بل تمتد إلى تراجع الغطاء النباتي، وانجراف التربة، وتدهور المراعي الطبيعية، وتراجع التنوع الحيوي، إضافة إلى زيادة قابلية المناطق للتصحر مع مرور الوقت.
ويؤكد مختصون أن تعويض الأشجار البرية التي تنمو طبيعيًا يحتاج إلى سنوات طويلة، في حين أن قطعها لا يستغرق سوى دقائق.
ماذا تقول الأنظمة؟
وضعت وزارة البيئة والمياه والزراعة أنظمة صارمة للحد من الاحتطاب الجائر، إذ تحظر قطع الأشجار أو اقتلاعها أو نقل الحطب والفحم المحلي دون تصريح، وفرضت غرامة تصل إلى 10 آلاف ريال عن كل شجرة يتم قطعها، مع مضاعفة العقوبة عند تكرار المخالفة، وإلزام المخالف بإصلاح الأضرار البيئية الناتجة عن فعله.
السؤال الذي يبقى
ورغم العقوبات المعلنة، لا تزال آثار القطع والاقتلاع تظهر في عدد من المواقع البرية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصادر الحطب الذي يصل إلى الأسواق، ومدى فاعلية الرقابة الميدانية، ودور المجتمع في الإبلاغ عن المخالفات، حفاظًا على الغطاء النباتي الذي يمثل أحد أهم الموارد الطبيعية في المملكة.


